الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة يرمل ثلاثة أشواط ويمشى أربعة

جزء التالي صفحة
السابق

( 2455 ) مسألة : قال : ( ورمل ثلاثة أشواط ، ومشى أربعة ، كل ذلك من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ) معنى الرمل إسراع المشي مع مقاربة الخطو من غير وثب . وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم . ولا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا . وقد ثبت { أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثا ، ومشى أربعا } . رواه جابر ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأحاديثهم متفق عليها فإن قيل : إنما رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين ، ولم يبق ذلك المعنى ، إذ قد نفى الله المشركين ، فلم قلتم : إن الحكم يبقى بعد زوال علته ؟ قلنا : قد رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح ، فثبت أنها سنة ثابتة .

وقال ابن عباس : { رمل النبي صلى الله عليه وسلم في عمره كلها ، وفي حجه } وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، والخلفاء من بعده . رواه أحمد ، في ( المسند ) . وقد ذكرنا حديث عمر . إذا ثبت هذا ، فإن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة بكمالها ، يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه ، لا يمشي في شيء منها . روي ذلك عن عمر ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وابن الزبير رضي الله عنهم وبه قال عروة ، والنخعي ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأصحاب الرأي .

وقال طاوس ، وعطاء ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله : يمشي ما بين الركنين ; لما روى ابن عباس ، قال : { قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة ، وقد وهنتهم الحمى ، فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ، ولقوا منها شرا . فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا ، فلما قدموا قعد المشركون مما يلي الحجر ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، ويمشوا ما بين الركنين ، [ ص: 185 ] ليرى المشركون جلدهم ، فلما رأوهم رملوا ، قال المشركون : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ، هؤلاء أجلد منا } . قال ابن عباس : ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها ، إلا الإبقاء عليهم . متفق عليه .

ولنا ، ما روى ابن عمر ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر } . وفي مسلم ، عن جابر ، قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر ، حتى انتهى إليه } . وهذا يقدم على حديث ابن عباس ; لوجوه ، منها أن هذا إثبات ، ومنها أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية ، وهذا إخبار عن فعل في حجة الوداع ، فيكون متأخرا ، فيجب العمل به وتقديمه ، الثالث أن ابن عباس كان في تلك الحال صغيرا ، لا يضبط مثل جابر وابن عمر ، فإنهما كانا رجلين ، يتتبعان أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ويحرصان على حفظها ، فهما أعلم ، ولأن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا ، ولو علموا من النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره ، ويحتمل أن يكون ما رواه ابن عباس اختص بالذين كانوا في عمرة القضية ; لضعفهم ، والإبقاء عليهم ، وما رويناه سنة في سائر الناس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث