الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة كل زوج قذف امرأته فإنه يلاعنها

جزء التالي صفحة
السابق

1940 - مسألة : وأما قولنا : إن كل زوج قذف امرأته فإنه يلاعنها إذ ذكرنا صفة اللعان ، فلقول الله عز وجل : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } فلم يخص عز وجل حرا من عبد ، ولا أعمى من بصير ، ولا صالحا من فاسق ، ولا [ ص: 333 ] امرأة كافرة من مؤمنة ، ولا حرة من أمة ، ولا فاسقة من صالحة ، ولا محدودا من غير محدود ، ولا محدودة من غير محدودة ، { وما كان ربك نسيا } .

وقال أبو حنيفة : إن كان أحدهما مملوكا أو كافرا فلا لعان - وهذا تحكم بالباطل ، وتخصيص للقرآن برأيه الفاسد .

فإن قالوا : قال الله تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } والعبد لا شهادة له ؟ قلنا : باطل ما قلتم ، بل شهادته كشهادة الحر ، وأنتم لا تجيزون شهادة الأعمى ، ولا شهادة الفاسق ، وتوجبون اللعان لهما .

وروينا عن الشعبي : لا يلاعن من لا شهادة له .

قال أبو محمد : وهذه قضية فاسدة ، لا يصححها قرآن ولا سنة ، والله تعالى وإن كان سماها شهادة ، فليست من سائر الشهادات التي يراعى فيه العدل من الفاسق ، لأن تلك الشهادات لا يحلف فيها الشاهد بها ، وشهادات اللعان أيمان ، وسائر الشهادات لا يقبل في أكثرها إلا اثنان ، وشهادة اللعان إنما هي من واحد ، وسائر الشهادات لا يقبل فيها المرء لنفسه ، وشهادة اللعان إنما هي لنفسه ليدرأ عنها الحد ، وليوجبه على المرأة - فبطل أن يكون اللعان حكم سائر الشهادات .

وأما قولنا : إن التعن سقط عنه الحد وإلا حدت هي : فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث اللعان { البينة وإلا حد في ظهرك } .

وقوله : إنه رماها بإنسان بعينه فحد واحد يسقط التلاعن فلما رويناه من طريق أحمد بن شعيب نا عمران بن يزيد الدمشقي نا مخلد بن الحسين الأزدي نا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين { عن أنس بن مالك قال : أول لعان كان في الإسلام : أن هلال بن أمية قذف شريك ابن السحماء بامرأته فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أربعة شهداء ، وإلا فحد في ظهرك - يكرر ذلك مرارا ، فقال له هلال : والله يا رسول [ ص: 334 ] الله إن الله ليعلم إني لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد ؟ فبينما هم كذلك إذ نزلت آية اللعان ، فدعا هلالا فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم دعيت المرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، فلما كان في الرابعة أو الخامسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفوها فإنها موجبة ، فتلكأت حتى ما شككنا أنها ستعترف ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على اليمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروها ، فإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية ، وإن جاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين فهو لشريك ابن السحماء - فجاءت به آدم جعدا ربعا حمش الساقين - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا ما سبق من كتاب الله لكان لي ولها شأن } .

وليس في الآية ما يزيده مالك وغيره في اليمين من قول : { الذي لا إله إلا هو } ولا غير ذلك ، ولا فرق بين هذه الزيادة وبين أن يزيد خالق السماوات والأرض الذي رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها وما أشبه ذلك من الثناء على الله عز وجل ، الذي من قاله أجر ، ومن تركه في يمينه لم يحرج ، وإنما يقضى على الناس بما أمر به الله ، لا بما لا يلزم في ذلك الوقت ، وإن كان أجرا .

وقوله عز وجل : { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } فإن فيه إشارة إلى عذاب معلوم ، لأنه بألف التعريف ولامه ، ولا نعلم عذابا في الزنا إلا الحد .

وأما السجن - كما قال أبو حنيفة وأصحابه - : فلا .

ومن طريق أحمد بن شعيب نا علي بن ميمون الرقي عن سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر المتلاعنين باللعان أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال : إنها موجبة .

ولا معنى لزيادة من زاد في يمين المتلاعنين أن يقول هو : إني لمن الصادقين فيما [ ص: 335 ] رميتها به من الزنا ، وأن تقول هي : إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ; لأن الله تعالى كفانا بما أمرنا به في القرآن عن تكلف هذه الزيادة : { وما كان ربك نسيا } .

وكل رأي زادنا شيئا في الدين لم يأت به أمر الله تعالى فنحن نرغب عن ذلك الرأي ونقذفه في الحش ; لأنه شرع في الدين لم يأذن به الله عز وجل .

فإن قالوا : ربما نوى : أنه لمن الصادقين في شهادته بالتوحيد ، ونوت هي : أنه لمن الكاذبين في قصة أخرى ؟ قلنا : هبك أنهما نويا ذلك ، فوالله ما ينتفعان بذلك ، وأن يمينهما بما أمر الله تعالى في مجاهرة أحدهما فيه بالباطل موجب عليه اللعنة ، وعليها الغضب ، نويا ما قلتم أو لم ينويا ، ولا يموه على علام الغيوب بمثل هذا .

ومن طريق الحجاج بن المنهال نا همام بن يحيى نا أيوب السختياني أن سعيد بن جبير حدثه عن ابن عمر قال : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين أخوي بني العجلان } .

ومن طريق أبي داود ، والبخاري - قال أبو داود : نا أحمد بن حنبل ، وقال البخاري : نا علي بن عبد الله ، قالا جميعا : نا سفيان - هو ابن عيينة - أنه سمع عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يقول : سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين : { حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها ؟ } قال أبو محمد : قد رويته عن سفيان ، قال سفيان حفظته من عمرو بن دينار : فتفريق رسول الله صلى الله عليه وسلم يغني عن تفريق كل حاكم بعده . وقوله عليه الصلاة والسلام : { لا سبيل لك عليها } منع من أن يجتمعا أبدا بكل وجه ، ولم يقل عليه الصلاة والسلام ذلك بنص الخبر إلا بعد تمام التعانهما جميعا ، فلا يقع التفريق إلا حينئذ .

[ ص: 336 ] وقد روينا أن مصعب بن الزبير لم يوجب التفريق بين المتلاعنين - وهو قول عثمان البتي . وقال أبو حنيفة : لا يقع التفريق بتمام اللعان حتى يفرق بينهما الحاكم ، وإذا فرق الحاكم بينهما فهي طلقة بائنة - فكان هذا عجبا ؟ ونقول لهم : فإن أبى الحاكم من التفريق أيبقيان على زوجيتهما ؟ هيهات حاكم الحكماء قد فرق ، فتفريق من بعده أو تركه التفريق نبيب تيس من الحزن سواء .

وقال الشافعي - بتمام التعان الرجل يقع التفريق وينتفي الولد - وهذه أيضا دعوى بلا برهان .

وقال مالك كما قلنا - وهو قول الأوزاعي ، والليث .

وأما قولنا : إن كانت صغيرة أو مجنونة حد للقذف ، ولا لعان في ذلك ; لأن الصغيرة والمجنونة لا يكون منهما زنى أصلا ، لأن الزنا معصية لله عز وجل ، وهاتان لا تقع منهما معصية ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاث } فذكر الصغير حتى يبلغ ، والمجنون حتى يفيق .

وإذا وجب الحد حيث لا يوقن بكذبه فإسقاطه عن القاذف حين يوقن بكذبه خطأ ، والحد بنص القرآن واجب على كل من رمى منا بالزنا .

وأما الأخرس فإن الله عز وجل يقول : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وليس في وسعه الكلام ، فلا يجوز أن يكلف إياه .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } .

فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله تعالى به ما استطاع ، والأخرس يستطيع الإفهام بالإشارة ، فعليه أن يأتي بها .

وكذلك من لا يحسن العربية يلتعن بلغته بألفاظ يعبر بها عما نص الله تعالى عليه .

والعجب من زيادات أبي حنيفة برأيه ، زيادات في غاية السخف على ما في آية [ ص: 337 ] اللعان ، وهو يرد أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعماله كالمسح على العمامة واليمين مع الشاهد وغير ذلك بأنها زيادة على ما في القرآن ، فأي ضلال يفوق هذا ؟

وأما قولنا : إنه بتمام التعانه والتعانها ينتفي عنه لحاق حملها ، إلا أن يقربه - وسواء ذكره أو لم يذكره - إذا انتفى عنه قبل ذلك - : فلما رويناه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال : " إن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته فانتفى عن ولده ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة " .

ومن طريق مسلم حدثني حرملة بن يحيى أنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سهل بن سعد قال : إن عويمرا العجلاني - فذكر حديث اللعان وفيه { فكانت حاملا فكان الولد إلى أمه }

وأما قولنا : إنه لم يلاعنها حتى ولدت ، لاعن لإسقاط الحد فقط ، ولا ينتفي ولدها منه ، فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الولد لصاحب الفراش } .

فصح أن كل من ولد على فراشه ولد فهو ولده إلا حيث نفاه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو حيث يوقن بلا شك أنه ليس هو ولده ، ولم ينفه عليه الصلاة والسلام إلا وهي حامل باللعان فقط ، فيبقى ما عدا ذلك على لحاق النسب ، ولذلك قلنا : إن صدقته في أن الحمل ليس منه فإن تصديقها له لا يلتفت إليه ، لأن الله تعالى يقول : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } فوجب أن إقرار الأبوين لا يصدق على نفي الولد ، فيكون كسبا على غيرهما ، وإنما نفى الله عز وجل الولد إن كذبته الأم والتعنت هي والزوج فقط ، فلا ينتفي في غير هذا الموضع ، والعجب كله أن المخالفين لنا هاهنا يقولون : إن اتفقا جميعا على أن الحمل من غيره ، أو على أن الولد من غيره : لم يصدقا ، ولم ينفه إلا بلعان ؟ فليت شعري من أين وقع لهم هذا إذا ألغوا تصديقهما فلم ينفوا نسبه إلا بلعان ، فإذ لا معنى لتصديقهما له فلا يجوز اللعان إلا حيث حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث أمر الله تعالى به في القرآن ، وهو إذا رماها بالزنا فقط - وبالله تعالى التوفيق .

وأما إذا قذفها وهي في عدتها من طلاق رجعي منه أنه يلاعنها متى رفع الأمر [ ص: 338 ] للإمام - ولو أنها عند زوج آخر - فلأنه قذفها وهي زوجة له ، والله تعالى يقول : { والذين يرمون أزواجهم } فإنما يراعى الرمي بنص القرآن ، فإن كان لزوجة لاعن أبدا ، إذ لم يحد الله تعالى للعان وقتا لا يتعداه ، وإن كان الرمي في عدة من طلاق ثلاث أو وهي غير زوجة له ، ثم تزوجها ، فالحد ولا بد ، ولا لعان في ذلك ، لأنه لم يرم زوجة له ، إنما رمى زوجة أجنبية ، فالحد بنص القرآن فقط .

وأما قولنا : ولا يضره إمساكه إياها بعد رميه لها ، أو بعد إقراره بأنها زنت يقينا - وعلم بذلك - ولا يضره وطؤه لها ، فلأن الله عز وجل لم يذكر ذلك ، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهو شرط فاسد ، وشرع لم يأذن الله تعالى به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث