الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        معلومات الكتاب

        السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

        ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

        [ ص: 14 - 15 ] الفصل الأول استعمال الأصلح

        فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة طلبها منه العباس ، ليجمع له بين سقاية الحاج ، وسدانة البيت ، فأنزل الله هذه الآية ، بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة

        فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين ، أصلح من يجده لذلك العمل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم { : من ولي من أمر المسلمين شيئا ، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله } . [ ص: 16 ] وفي رواية : { من قلد رجلا عملا على عصابة ، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه ، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين } رواه الحاكم في صحيحه وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر روي ذلك عنه .

        وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمسلمين وهذا واجب عليه فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات ، من نوابه على الأمصار ، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان ، والقضاة ، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر والصغار والكبار ، وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات ، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين .

        وعلى كل واحد من هؤلاء ، أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده ، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين ، والمقرئين ، والمعلمين ، وأمير الحاج ، والبرد ، والعيون الذين هم القصاد ، وخزان الأموال ، وحراس الحصون ، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ، ونقباء العساكر الكبار والصغار ، وعرفاء القبائل والأسواق ، ورؤساء القرى الذين هم الدهاقون .

        فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين ، من هؤلاء وغيرهم ، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع ، أصلح من يقدر عليه ، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية ، أو يسبق في الطلب .

        بل [ ص: 17 ] ذلك سبب المنع ، فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : { أن قوما دخلوا عليه فسألوه الولاية ، فقال : إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه } .

        وقال لعبد الرحمن بن سمرة : { يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه } أخرجاه في الصحيحين

        وقال صلى الله عليه وسلم : { من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه ، أنزل الله إليه ملكا يسدده } رواه أهل السنن .

        فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره ، لأجل قرابة بينهما ، أو ولاء عتاقة أو صداقة ، أو موافقة في بلد [ ص: 18 ] أو مذهب أو طريقة أو جنس ، كالعربية والفارسية والتركية والرومية ، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الأحق ، أو عداوة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } .

        ثم قال : { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، وأن الله عنده أجر عظيم } .

        فإن الرجل لحبه لولده ، أو لعتيقه ، قد يؤثره في بعض الولايات ، أو يعطيه ما لا يستحقه ، فيكون قد خان أمانته ، كذلك قد يؤثره زيادة [ ص: 19 ] في ماله أو حفظه ، بأخذ ما لا يستحقه ، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات ، فيكون قد خان الله ورسوله ، وخان أمانته .

        ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه ، يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده ، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله ، ويذهب ماله .

        وفي ذلك ، الحكاية المشهورة ، أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك فقال : أدركت عمر بن عبد العزيز ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال ، وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته ، فقال : أدخلوهم علي ، فأدخلوهم ، بضعة عشر ذكرا ، ليس فيهم بالغ ، فلما رآهم ذرفت عيناه ، ثم قال : يا بني ، والله ما منعتكم حقا هو لكم ، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم ، وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح ، فالله يتولى الصالحين ، وإما غير صالح ، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله ، قوموا عني قال : فلقد رأيت ولده ، حمل على مائة فرس في سبيل الله ، يعني أعطاها لمن يغزو عليها .

        قلت : هذا وقد كان خليفة المسلمين ، من أقصى المشرق ، بلاد الترك ، إلى أقصى المغرب ، بلاد الأندلس وغيرها ، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها ، إلى أقصى اليمن

        وإنما أخذ كل واحد من أولاده ، من تركته شيئا يسيرا ، يقال : أقل من [ ص: 20 ] عشرين درهما - قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه ، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار ، ولقد رأيت بعضهم ، يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه - وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله ، ما فيه عبرة لكل ذي لب .

        وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع ، مثل ما تقدم ، ومثل { قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة : إنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها } . رواه مسلم .

        وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي قال : { إذا ضيعت الأمانة ، انتظر الساعة } .

        وقد أجمع المسلمون على معنى هذا ، فإن وصي اليتيم ، وناظر الوقف ، ووكيل الرجل في ماله ، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح ، كما قال الله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ولم يقل إلا بالتي هي حسنة وذلك لأن الوالي راع على الناس بمنزلة راعي الغنم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن [ ص: 21 ] رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ، وهي مسئولة عن رعيتها ، والولد راع في مال أبيه ، وهو مسئول عن رعيته ، والعبد راع في مال سيده ، وهو مسئول عن رعيته ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته } أخرجاه في الصحيحين

        وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { ما من راع يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت ، وهو غاش لها ، إلا حرم الله عليه رائحة الجنة } رواه مسلم . [ ص: 22 ]

        ودخل أبو مسلم الخولاني ، على معاوية بن أبي سفيان ، فقال : السلام عليك أيها الأجير ، فقالوا : قل السلام عليك : أيها الأمير ، فقال السلام أيها الأجير فقالوا : قل أيها الأمير فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا قل الأمير فقال معاوية : دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول فقال : إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها ، فإن أنت هنأت جرباها ، وداويت مرضاها ، وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدها أجرك ، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها ، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها

        وهذا ظاهر الاعتبار ، فإن الخلق عباد الله ، الولاة نواب الله على عباده ، وهم وكلاء العباد على أنفسهم ، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر ، ففيهم معنى الولاية والوكالة ، ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا ، وترك من هو أصلح للتجارة أو المقارب منه ، وباع السلعة بثمن ، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن ، فقد خان صاحبه ، لا سيما إن كان بين من حاباه وبينه مودة أو قربة ، فإن صاحبه يبغضه ويذمه ، أنه قد خان وداهن قريبه أو صديقه .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية