الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان طريق التملك بالشفعة وبيان كيفيته

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان طريق التملك بالشفعة وبيان كيفيته فالتملك بالشفعة يكون بأحد طريقين : إما بتسليم المشتري وإما بقضاء القاضي ; أما التملك بالتسليم بالبيع فظاهر ; لأن الأخذ بتسليم المشتري برضاه ببدل يبدله الشفيع وهو الثمن يفسر الشراء ، والشراء تملك وأما بقضاء القاضي فالكلام فيه في ثلاثة مواضع في بيان كيفية التملك بالقضاء بالشفعة وفي بيان شرط جواز القضاء بالشفعة ، وفي بيان وقت القضاء بالشفعة ، أما الأول فالمبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع وإما أن يكون في يد المشتري فإن كان في يد البائع ذكر الكرخي رحمه الله أن القاضي إذا قضى بالشفعة ينتقض البيع الذي كان بين البائع وبين المشتري في المشهور من قولهم وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا ينقض ، واختلف المشايخ فيه قال بعضهم : البيع لا ينتقض بل تتحول الصفقة إلى الشفيع وقال بعضهم : ينتقض البيع الذي جرى بين البائع والمشتري وينعقد للشفيع بيع آخر كأنه كان من البائع إيجابان أحدهما مع المشتري والآخر مع الشفيع ، فإذا قضى القاضي بالشفعة فقد قبل الشفيع الإيجاب الذي أضيف إليه وانتقض ما أضيف إلى المشتري سواء قبل المشتري الإيجاب المضاف إليه أو لم يقبل .

( وجه ) قول من قال بالتحول لا بالانتقاض أن البيع لو انتقض لتعذر الأخذ بالشفعة ; لأنه من شرائط وجوب الشفعة فإذا انتقض لم يجب فتعذر الأخذ .

( وجه ) قول من قال أنه ينتقض نص محمد ، والمعقول والأحكام ; أما الأول فقد ذكر محمد رحمه الله وقال انتقض البيع فيما بين البائع والمشتري ، وهذا نص في الباب .

وأما المعقول فمن وجهين : أحدهما : أن القاضي إذا قضى بالشفعة قبل القبض فقد عجز المشتري عن قبض المبيع ; والعجز عن قبض المبيع يوجب بطلان البيع لخلوه عن الفائدة ; كما إذا هلك المبيع قبل القبض ، والثاني : أن الملك قبل الأخذ بالشفعة للمشتري لوجود آثار الملك في حقه على ما بينا فيما تقدم ولو تحول الملك إلى الشفيع لم يثبت الملك للمشتري .

وأما الأحكام [ ص: 24 ] فإن للشفيع أن يرد الدار على من أخذها منه بخيار الرؤية وإذا رد عليه لا يعود شراء المشتري ولو تحولت الصفقة إلى الشفيع لعاد شراء المشتري ; لأن التحول كان لضرورة مراعاة حق الشفيع ولما رد فقد زالت الضرورة فينبغي أن يعود الشراء ، ولأنها لو تحولت إليه لصار المشتري وكيلا للشفيع ; لأن عقده يقع له ، ولو كان كذلك لما ثبت للشفيع خيار الرؤية إذا كان المشتري رآها قبل ذلك ورضي بها ; لأن خيار الرؤية يبطل برؤية الوكيل ورضاه ، وكذلك لو كان الشراء بثمن مؤجل فأراد الشفيع أن يأخذها للحال يأخذ بثمن حال ، ولو تحولت الصفقة إليه لأخذها بثمن مؤجل ، وكذا لو اشتراها على أن البائع بريء من كل عيب بها عند البيع ثم أخذها الشفيع فوجد بها عيبا فله أن يردها على من أخذها منه ولو تحولت تلك الصفقة إلى الشفيع لما ثبت له حق الرد كما لم يثبت للمشتري ، فدلت هذه المسائل على أن شراء المشتري ينتقض ويأخذها الشفيع بشراء مبتدإ بعد إيجاب مبتدإ مضاف إليه .

وقد خرج الجواب عن قولهم أن البيع لو انتقض لتعذر الأخذ بالشفعة ; لأنه لا يأخذ بذلك العقد لانتقاضه بل بعقد مبتدإ مقرر بين البائع وبين الشفيع على ما بينا تقريره والله سبحانه وتعالى أعلم .

وإن كان المبيع في يد المشتري أخذه منه ودفع الثمن إلى المشتري ، والبيع الأول صحيح ; لأن التملك وقع على المشتري فيجعل كأنه اشترى منه ثم إذا أخذ الدار من يد البائع يدفع الثمن إلى البائع وكانت العهدة عليه ويسترد المشتري الثمن من البائع إن كان قد نقد ، وإن أخذها من يد المشتري دفع الثمن إلى المشتري وكانت العهدة عليه ; لأن العهدة هي حق الرجوع بالثمن عند الاستحقاق ، فيكون على من قبض الثمن .

وروي عن أبي يوسف رحمه الله أن المشتري إذا كان نقد الثمن ولم يقبض الدار حتى قضي للشفيع بمحضر منهما - أن الشفيع يأخذ الدار من البائع وينقد الثمن للمشتري والعهدة على المشتري ، وإن كان لم ينقد دفع الشفيع الثمن إلى البائع والعهدة على البائع ; لأنه إذا كان نقد الثمن للبائع فالملك لا يقع على البائع أصلا ; لأنه لا ملك له ، ولا بد أيضا لبطلان حق الحبس بنقد الثمن بل يقع على المشتري فيكون الثمن له والعهدة عليه ، وإذا كان لم ينقد فللبائع حق الحبس فلا يتمكن الشفيع من قبض الدار إلا بدفع الثمن إلى البائع فكانت العهدة على البائع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث