الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما يتملك به الأخذ بالشفعة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان ما يتملك به .

فنقول وبالله التوفيق ثمن المشترى لا يخلو إما أن يكون مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة وإما أن يكون مما لا مثل له كالمزروعات والمعدودات المتفاوتة كالثوب والعبد ونحو ذلك ; فإن كان مما له مثل فالشفيع يأخذ بمثله ; لأن فيه تحقيق معنى الأخذ بالشفعة إذ هو تمليك بمثل ما تملك به المشتري ، وإن كان مما لا مثل له يأخذ بقيمته عند عامة العلماء ، وقال أهل المدينة يأخذ بقيمة المشترى .

( وجه ) قولهم أن المصير إلى قيمة المبيع عند تعذر إيجاب المسمى من الثمن هو الأصل في الشريعة كما في البيع الفاسد ، وههنا تعذر الأخذ بالمسمى فصار إلى قيمة الدار والعقار .

ولنا أن الأخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشتري فإن كان الثمن الذي تملك به المشتري من ذوات الأمثال كان الأخذ به تملكا بالمثل صورة ومعنى ، وإن لم يكن من ذوات الأمثال كان الأخذ بقيمته تملكا بالمثل معنى ; لأن قيمته مقدار ماليته بتقويم المقومين ; لهذا سميت قيمته لقيامه مقامه فكان مثله معنى .

وأما قيمة الدار فلا تكون مثل العبد والثوب لا صورة ولا معنى فالتملك بها لا يكون تملكا بالمثل فلا [ ص: 27 ] يتحقق معنى الأخذ بالشفعة .

ولو تبايعا دارا بدار فلشفيع كل واحدة من الدارين أن يأخذها بقيمتها ; لأن الدار ليست من ذوات الأمثال فلا يمكن الأخذ بمثلها فيأخذ بقيمتها كالعبد والثوب ، وعلى هذا يخرج ما لو اشترى دارا بعرض ولم يتقابضا حتى هلك العرض بطل البيع فيما بين البائع والمشتري وللشفيع الشفعة ، وكذلك لو كان المشتري قبض الدار ولم يسلم العرض حتى هلك ; أما بطلان البيع فيما بين البائع والمشتري ; فلأن العرض مبيع إذ المبيع في الأصل ما يتعين بالتعيين في البيع ، والعرض يتعين بالتعيين في البيع فكان مبيعا ، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب بطلان البيع لتعذر التسليم بعد الهلاك فلم يكن في إبقاء العقد فائدة فيبطل .

وأما بقاء الشفعة للشفيع ; فلأن الواجب عليه قيمة العرض لا عينه ، والقيمة مقدور التسليم في حقه فكان بقاء العرض في حق الشفيع وهلاكه بمنزلة واحدة .

ثم الشفيع إنما يأخذ بما وجب بالعقد لا بما أعطى بدلا من الواجب لما ذكرنا أن الأخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشتري ، والمشتري تملك المبيع بالمسمى - وهو الواجب بالعقد - فيأخذه الشفيع به حتى لو اشترى الدار بالدراهم والدنانير ثم دفع مكانها عرضا فالشفيع يأخذ بالدراهم والدنانير لا بالعرض ; لأن الدراهم والدنانير هي الواجبة بالعقد وأما العرض فإنما أخذه البائع بعقد آخر وهو الاستبدال فلم يكن واجبا بالعقد فصار كأن البائع اشترى بالثمن عرضا ابتداء ثم حضر الشفيع ، ولو كان كذلك لكان يأخذ بالثمن لا بالعرض ، كذا هذا ، والله عز وجل أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث