الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب الخلع

قال الله (تعالى): ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ؛ فحظر على الزوج بهذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما أعطاها؛ إلا على الشريطة المذكورة؛ وعقل بذلك أنه غير جائز له أخذ ما لم يعطها؛ وإن كان المذكور هو ما أعطاها؛ كما أن قوله (تعالى): فلا تقل لهما أف ؛ قد دل على حظر ما فوقه؛ من ضرب؛ أو شتم.

وقوله (تعالى): إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ؛ قال طاوس : يعني فيما افترض على كل واحد منهما في العشرة؛ والصحبة؛ وقال القاسم بن محمد مثل ذلك؛ وقال الحسن: هو أن تقول المرأة: "والله لا أغتسل لك من جنابة"؛ وقال أهل اللغة: إلا أن يخافا ؛ معناه: إلا أن يظنا؛ وقال أبو محجن الثقفي: أنشده الفراء - رحمه الله (تعالى) -:


إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها



[ ص: 90 ] ولا تدفنني بالعراء فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

وقال آخر:


أتاني كلام عن نصيب يقوله ...     وما خفت يا سلام أنك عائبي



يعني: ما ظننت؛ وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله (تعالى) على وجهين؛ إما أن يكون أحدهما سيئ الخلق؛ أو جميعا؛ فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله (تعالى) فيما ألزم كل واحد منهما من حقوق النكاح؛ في قوله (تعالى): ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ؛ وإما أن يكون أحدهما مبغضا للآخر؛ فيصعب عليه حسن العشرة؛ والمجاملة؛ فيؤدي به ذلك إلى مخالفة أمر الله (تعالى) في تقصيره في الحقوق التي تلزمه؛ وفيما ألزم الزوج؛ من إظهار الميل إلى غيرها؛ في قوله (تعالى): فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ؛ فإذا وقع أحد هذين؛ وأشفقا من ترك إقامة حدود الله (تعالى)؛ التي حدها لهما؛ حل الخلع .

وروى جابر الجعفي ؛ عن عبد الله بن يحيى؛ عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: كلمات إذا قالتهن المرأة حل له أن يأخذ الفدية؛ إذا قالت له: "لا أطيع لك أمرا؛ ولا أبر لك قسما؛ ولا أغتسل لك من جنابة"؛ وقال المغيرة : عن إبراهيم قال: لا يحل للرجل أن يأخذ الفدية من امرأته إلا أن تعصيه؛ ولا تبر له قسما؛ وإذا فعلت ذلك؛ وكان من قبلها؛ حلت له الفدية؛ وإن أبى أن يقبل منها الفدية؛ وأبت أن تعطيه؛ بعثا حكمين؛ حكما من أهله؛ وحكما من أهلها.

وذكر علي بن أبي طلحة ؛ عن ابن عباس قال: تركها إقامة حدود الله استخفافا بحق الزوج؛ وسوء خلقها؛ فتقول: "والله لا أبر لك قسما؛ ولا أطأ لك مضجعا؛ ولا أطيع لك أمرا"؛ فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية؛ ولا يأخذ أكثر مما أعطاها شيئا؛ ويخلي سبيلها؛ وإن كانت الإساءة من قبلها؛ ثم قال: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ؛ يقول: إن كان عن غير ضرار؛ ولا خديعة؛ فهو هنيء مريء؛ كما قال الله (تعالى).

وقد اختلف في نسخ هذه الآية؛ فروى حجاج؛ عن عقبة بن أبي الصهباء قال: سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد منه امرأته الخلع ؛ قال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا؛ قلت له: يقول الله في كتابه: فلا جناح عليهما فيما افتدت به ؛ قال: هذه نسخت بقوله: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ؛ وروى أبو عاصم ؛ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء : أرأيت إذا كانت له ظالمة؛ مسيئة؛ فدعاها إلى الخلع ؛ أيحل له؟ قال: لا؛ إما أن يرضى فيمسك؛ وإما أن يسرح؛ قال أبو بكر : وهو قول شاذ؛ يرده ظاهر الكتاب؛ والسنة؛ واتفاق [ ص: 91 ] السلف؛ ومع ذلك فليس في قوله: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ؛ الآية؛ ما يوجب نسخ قوله (تعالى): فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ; لأن كل واحدة منهما مقصورة الحكم على حال مذكورة فيها؛ فإنما حظر الخلع إذا كان النشوز من قبله؛ وأراد استبدال زوج مكان زوج؛ غيرها؛ وأباحه إذا خافا ألا يقيما حدود الله؛ بأن تكون مبغضة له؛ أو سيئة الخلق؛ أو كان هو سيئ الخلق؛ ولا يقصد مع ذلك الإضرار بها؛ لكنهما يخافان ألا يقيما حدود الله في حسن العشرة؛ وتوفية ما ألزمهما الله (تعالى) من حقوق النكاح؛ وهذه الحال غير تلك؛ فليس في إحداهما ما يعترض به على الأخرى؛ ولا يوجب نسخها؛ ولا تخصيصها أيضا؛ إذ كل واحدة مستعملة فيما وردت فيه؛ وكذلك قوله (تعالى): ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ؛ إذا كان خطابا للأزواج؛ فإنما حظر عليهم أخذ شيء من مالها؛ إذا كان النشوز من قبله؛ قاصدا للإضرار بها؛ إلا أن تأتي بفاحشة مبينة؛ فقال ابن سيرين ؛ وأبو قلابة: يعني أن يظهر منها على زنا؛ وروي عن عطاء ؛ والزهري ؛ وعمرو بن شعيب : أن الخلع لا يحل إلا من الناشز؛ فليس في شيء من هذه الآيات نسخ؛ وجميعها مستعمل؛ والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية