الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أن السلطان وصل إلى [إزاء] القفص فعزم الخليفة على تلقيه ، فاستعفى فأعفي من ذلك ، فأخرج إليه الوزير أبو منصور ، فلما دخل العسكر نزلوا في دور الناس وأخرجوهم ، وأوقدوا أخشاب الدور لبرد عظيم كان ، وكانوا يتعرضون لحرم الناس ، حتى إن قوما من الأتراك صعدوا إلى جامات حمام ففتحوها وطالعوا النساء ، ثم نزلوا فهجموا عليهن فأخذوا من أرادوا منهن ، وخرج الباقيات عراة إلى الطريق ، فاجتمع الناس وخلصوهن من أيديهم ، فعلوا هذا بحمامين .

وجاء عميد الملك إلى دار الخلافة وخدم عن السلطان فأوصله الخليفة وخاطبه بالجميل ، وأعطاه عدة أقطاع ثياب تشريفا له ، وتردد الخطاب في نقل الجهة إلى دار المملكة ، وبعث السلطان إلى الجهة بخاتمه ، وكان ذهبا وعليه فص ماس وزنه درهمان ، وبعث جبتين في سستحة ، ولازم عميد الملك المطالبة بها حتى بات في الديوان ، فكان مما قاله الخليفة: يا منصور بن محمد ، أنت كنت تذكر أن الفرض في هذه الوصلة التشرف بها ، والذكر الجميل ، وكنا نقول لك: إننا ما نمتنع من ذاك إلا خوفا من المطالبة بالتسليم ، وجرى ما قد علمته ، ثم أخرجنا ابن المحلبان ، وقرر [معكم] [ ص: 80 ] قبل العقد ما أخذ به خطك ، وأنه إن كان يوما ما يطالبه برؤية واجتماع كان ذلك في الدار العزيزة النبوية ، ولم يسم إخراج هذه الجهة من دارنا ، فقال عميد الملك: هذا جميعه صحيح ، والسلطان مقيم عليه وعازم على الانتقال إلى هذه الدار العزيزة حسب ما استقر ، وهو يسأل أن يفرد لحجابه وغلمانه [وخواصه] فيها مواضع يسكنونها ، فما يمكنه بعدهم عنه ، فقطع بهذا الكلام الحجة ، ثم راجع وكرر إلى أن استقر انتقالها إلى دار المملكة على أن لا تخرج من بغداد ، وأن تكون بها إذا سافر السلطان ، وأحضر قاضي القضاة الدامغاني حتى استخلفه على الاجتهاد في ذلك .

وحمل السلطان إلى الخليفة مائة ألف دينار ، ومائة وخمسين ألف درهم ، وأربعة آلاف ثوب فيها عشرة طميم ، كل ذلك منسوب إليه .

[زفاف السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة]

وفي ليلة الاثنين خامس عشر صفر: زفت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة ، ونصب لها من دجلة إلى الدار [سرادق] ، وضربت البوقات والدبادب عند دخولها الدار ، فجلست على سرير ملبس بالذهب ، ودخل السلطان إليها فقبل الأرض [لها] وخدمها ، وشكر الخليفة ، وخرج من غير أن يجلس ، ولا قامت له ولا كشفت برقعا كان على وجهها ولا أبصرته ، وكان السلطان والحجاب ووجوه الأتراك يرقصون في صحن الدار فرحا وسرورا ، وأنفذ لها مع أرسلان خاتون ، وكانت قد مضت في صحبتها عقدين فاخرين ، وقطعة ياقوت أحمر كبيرة [ودخل من الغد فقبل الأرض وخدمها ، وجلس على سرير ملبس بالفضة بإزائها ساعة ، ثم خرج وأنفذ إليها جواهر كثيرة] مثمنة ، وفرجية نسيج مكللة بالحب ، وما زال على مثل ذلك كل يوم يحضر ويخدم ، فظهر منه [ ص: 81 ] سرور شديد من الخليفة ، تألم لما ألزمه من ذلك ، وخلع السلطان في بكرة يوم الاثنين على عميد الملك ، وزاد في ألقابه جزاء على توصله إلى هذا الأمر ، واتصل في دار المملكة السماط أسبوعا ، ثم كان في يوم الأحد لتسع بقين من الشهر سماط كبير ، وخلع على جميع الأمراء .

وفي يوم الخميس تاسع ربيع الأول: حضر عميد الملك بيت النوبة ، واستأذن للسلطان طغرلبك في الانصراف وللسيدة خاتون في المسير صحبته ، وأنه يستردها مدة ستة أشهر ، فأذن الخليفة للسلطان ولم يأذن لأرسلان ، وقال: هذا لا يحسن . وتردد من المراجعة ما أدى إلى إذن الخليفة فيه ، وكانت شاكية من اطراحه لها ، وأنه لم يقرب منها منذ اتصل إليها .

وأنفذ للسلطان في يوم السبت [حادي عشر الشهر] خلع من حضرة الخليفة ، وخرج من الغد وهو ثقيل من علته ، مأيوس من سلامته ، واستصحب السيدة ابنة الخليفة معه بعد أن امتنعت ، فألزمها ، ولم يصحبها من دار الخلافة إلا ثلاث نسوة برسم خدمتها ، ولحق والدتها من الحزن ما لم يمكن دفعه عنها .

التالي السابق


الخدمات العلمية