الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الوقف

3085 كتاب الوقف

وهو في اللغة: الحبس. وفي الشريعة: حبس الملك "في سبيل الله تعالى"، للفقراء وأبناء السبيل. يصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله على ملك الواقف.

باب: الوقف للأصل، والصدقة بالغلة

وقال النووي: ( باب الوقف ) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص86-87 ج11 المطبعة المصرية

[عن ابن عمر؛ قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها؛ فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه. فما تأمرني به ؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع [ ص: 194 ] أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب. قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف. لا جناح على من وليها: أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا، غير متمول فيه .

قال: فحدثت بهذا الحديث محمدا، فلما بلغت هذا المكان: "غير متمول فيه" قال محمد: غير متأثل مالا.

قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب؛ أن فيه: "غير متأثل مالا" ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن ابن عمر ) رضي الله عنهما؛ (قال: أصاب عمر ) رضي الله عنه، (أرضا بخيبر ) . هي المسماة: "بثمغ"، كما في رواية للبخاري، وأحمد.

(فأتى النبي صلى الله عليه ) وآله (وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه (.

النفيس: الجيد. قال الداودي: سمي "نفيسا"، لأنه يأخذ بالنفس.

قال النووي: "أنفس" معناه: أجود. والنفيس: الجيد. "وقد نفس" بفتح النون وضم الفاء، "نفاسة".

[ ص: 195 ] (فما تأمرني به ؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" ) . أي: منفعتها.

وفي رواية للبخاري: "حبس أصلها، وسبل ثمرتها".

وفي أخرى له: "تصدق بثمره، وحبس أصله".

والحبس: الوقف.

وفي هذا الحديث: دليل على صحة أصل الوقف. وأنه مخالف لشوائب الجاهلية. هذا مذهب الجماهير، وبه قالت الشافعية.

قال النووي: ويدل عليه أيضا: إجماع المسلمين على صحة وقف المساجد، والسقايات.

وفيه: فضيلة ظاهرة، لعمر "رضي الله عنه".

وفيه: مشاورة أهل الفضل والصلاح، في الأمور وطرق الخير.

وفيه: أن "خيبر" فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها، واستقرت أملاكهم على حصصهم، ونفذت تصرفاتهم فيها.

(قال: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع أصلها، ولا تباع ولا تورث ولا توهب ). زاد الدارقطني "حبيس، ما دامت السماوات والأرض".

ظاهره: أنه من كلام عمر "رضي الله عنه".

[ ص: 196 ] وفي البخاري بلفظ: فقال النبي "صلى الله عليه وآله وسلم": تصدق بأصله؛ لا يباع ولا يوهب ولا يورث. ولكن ينفق ثمره". وهذا صريح: في أن الشرط، من كلام النبي "صلى الله عليه وآله وسلم". ولا منافاة، لأنه يمكن الجمع: بأن عمر شرط ذلك، بعد أن أمره النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" به؛

فمن الرواة: من رفعه إلى النبي "صلى الله عليه وآله وسلم".

ومنهم: من وقفه على عمر، لوقوعه منه امتثالا للأمر الواقع منه "صلى الله عليه وآله وسلم" به.

(قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى (.

قال في الفتح: يحتمل أن يكون المراد بهم: من ذكر في الخمس. أو المراد بهم: قربى الواقف. وبهذا جزم القرطبي.

قال النووي: فيه: فضيلة صلة الأرحام، والوقف عليهم.

(وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف ) : هو من نزل بقوم، يريد القرى.

(لا جناح على من وليها: أن يأكل منها بالمعروف (.

[ ص: 197 ] معناه: يأكل المعتاد، ولا يتجاوزه. قاله النووي.

وقيل: المعروف هنا: هو ما ذكر في ولي اليتيم.

قال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف. حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل: لاستقبح ذلك منه.

والمراد بالمعروف: القدر الذي جرت به العادة. وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة. وقيل: المراد: أن يأخذ منه بقدر عمله.

والأول: أولى. كذا في الفتح.

(أو يطعم صديقا ) أي: حبيبا (غير متمول فيه ) .

وفي رواية: "غير متأثل مالا". وهو اتخاذ أصل المال، حتى كأنه عنده قديم. وأثلة كل شيء: أصله.

قال الحافظ في الفتح: حديث عمر هذا، أصل في مشروعية الوقف. وقد روى أحمد عن ابن عمر: "قال: أول صدقة" أي: موقوفة "كانت في الإسلام: صدقة عمر".

وعن عمرو بن سعد بن معاذ: "قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام ؟ فقال المهاجرون: صدقة عمر. وقال الأنصار: صدقة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم".

[ ص: 198 ] وفي مغازي الواقدي: "إن أول صدقة موقوفة، كانت في الإسلام: أراضي مخيريق" بالمعجمة، مصغرا "التي أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوقفها".

وقد ذهب إلى جواز الوقف ولزومه: جمهور العلماء.

قال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين؛ من أهل العلم: خلافا في جواز وقف الأرضين.

وجاء عن شريح: أنه أنكر الوقف. وقال أبو حنيفة: لا يلزم. وخالفه جميع أصحابه، إلا زفر. وعن أبي يوسف أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة، لقال به. قال القرطبي: رأيه في الوقف مخالف للإجماع. فلا يلتفت إليه. انتهى.

قال في النيل: ومما يؤيد هذا: حديث "أما خالد، فقد حبس" أي: وقف "أدراعه، وأعتاده في سبيل الله". وهو متفق عليه.

وقوله "صلى الله عليه وآله وسلم"، في حديث آخر: "صدقة جارية": يشعر بأن الوقف يلزم، ولا يجوز نقضه. ولو جاز النقض، لكان الوقف صدقة منقطعة، وقد وصفه في هذا الحديث بعدم الانقطاع.

ومن ذلك: قوله "صلى الله عليه وآله وسلم": "لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث" كما تقدم. فإن هذا منه "صلى الله عليه وآله وسلم": بيان [ ص: 199 ] لماهية التحبيس، التي أمر بها عمر "رضي الله عنه". وذلك يستلزم: لزوم الوقف، وعدم جواز نقضه. وإلا لما كان تحبيسا.

قال: فالحق: أن الوقف من القربات، التي لا يجوز نقضها بعد فعلها. لا للواقف، ولا لغيره.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث