الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            باب الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الآخر [ ص: 192 ] عن ابن عباس : { أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول لم يحدث شيئا } رواه أحمد وأبو داود وفي لفظ : { رد ابنته زينب على أبي العاص زوجها بنكاحها الأول بعد سنتين ولم يحدث صداقا } رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وفي لفظ : { رد ابنته زينب على أبي العاص ، وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شهادة ولا صداقا } رواه أحمد وأبو داود ، وكذلك الترمذي وقال فيه : لم يحدث نكاحا وقال : هذا حديث ليس بإسناده بأس ) .

                                                                                                                                            2724 - ( وقد روي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : { أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد } قال الترمذي : في إسناده مقال وقال أحمد : هذا حديث ضعيف والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرهما على النكاح الأول وقال الدارقطني : هذا حديث لا يثبت ، والصواب حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول ) .

                                                                                                                                            2725 - ( وعن ابن شهاب : { أنه بلغه أن ابنة الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانا وشهد حنينا والطائف وهو كافر وامرأته مسلمة ، فلم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حتى أسلم صفوان ، واستقرت عنده بذلك النكاح } قال ابن شهاب : وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر . مختصر من الموطأ لمالك ) .

                                                                                                                                            2726 - ( وعن ابن شهاب : { أن أم حكيم ابنة الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة ، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن ، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت على زوجها باليمن ودعته إلى الإسلام فأسلم ، وقدم [ ص: 193 ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه فثبتا على نكاحهما ذلك } قال ابن شهاب : ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله وإلى رسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها ، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها ، وأنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها رواه عنه مالك في الموطأ )

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            حديث ابن عباس صححه الحاكم وقال الخطابي : هو أصح من حديث عمرو بن شعيب ، وكذا قال البخاري قال ابن كثير في الإرشاد : هو حديث جيد قوي ، وهو رواية ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس انتهى . إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخه ، وقد ضعف أمرها علي بن المديني وغيره من علماء الحديث ، وابن إسحاق فيه مقال معروف .

                                                                                                                                            وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا ابن ماجه ، وفي إسناده حجاج بن أرطاة وهو معروف بالتدليس ، وأيضا لم يسمعه من عمرو بن شعيب قال أبو عبيد ، وإنما حمله عن العرزمي وهو ضعيف وقد ضعف هذا الحديث جماعة من أهل العلم قد تقدم ذكر بعضهم .

                                                                                                                                            وحديث ابن شهاب الأول هو مرسل وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات ، وحديثه الثاني مرسل أيضا وأخرجه ابن سعد في الطبقات أيضا

                                                                                                                                            وفي الباب عن ابن عباس عند البخاري قال : { كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين ، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه ، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه وكان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، فإذا طهرت حل لها النكاح ، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه }

                                                                                                                                            وروى البيهقي عن الشافعي عن جماعة من أهل العلم من قريش وأهل المغازي وغيرهم عن عدد مثلهم : { أن أبا سفيان أسلم بمر الظهران وامرأته هند بنت عتبة كافرة بمكة ، ومكة يومئذ دار حرب وكذلك حكيم بن حزام ، ثم أسلمت المرأتان بعد ذلك وأقر النبي صلى الله عليه وسلم النكاح } قوله : ( بعد سنتين ) وفي الرواية الثانية " بست سنين " ووقع في رواية : " بعد ثلاث سنين " وأشار في الفتح إلى الجمع فقال : المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه ، وبالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: { لا هن حل لهم } وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهرا

                                                                                                                                            قال الترمذي في حديث ابن عباس : إنه لا يعرف وجهه ، قال الحافظ : وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة قال : ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها ، وممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر ، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه ، ورده بالإجماع المذكور وتعقب بثبوت الخلاف فيه قديما ، فقد أخرجه [ ص: 194 ] ابن أبي شيبة عن علي وإبراهيم النخعي بطرق قوية ، وأفتى به حماد شيخ أبي حنيفة

                                                                                                                                            وأجاب الخطابي عن الإشكال بأن بقاء العدة تلك المدة ممكن وإن لم تجر به عادة في الغالب ، ولا سيما إن كان المدة إنما هي سنتان وأشهر ، فإن الحيض قد يبطئ عن ذات الأقراء لعارض وبمثل هذا أجاب البيهقي ، قال الحافظ : وهو أولى ما يعتمد في ذلك . وقال السهيلي في شرح السيرة : إن حديث عمرو بن شعيب هو الذي عليه العمل ، وإن كان حديث ابن عباس أصح إسنادا لكن لم يقل به أحد من الفقهاء ; لأن الإسلام قد كان فرق بينهما ، قال الله تعالى : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ومن جمع بين الحديثين قال : معنى حديث ابن عباس ردها عليه على النكاح الأول في الصداق والحباء ولم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره انتهى . وقد أشار إلى مثل هذا الجمع ابن عبد البر . وقيل : إن زينب لما أسلمت وبقي زوجها على الكفر لم يفرق بينهما صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يكن قد نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر ، فلما نزل قوله تعالى: { لا هن حل لهم } الآية ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد ، فوصل أبو العاص مسلما قبل انقضاء العدة ، فقررها النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول ، فيندفع الإشكال . قال ابن عبد البر : وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول .

                                                                                                                                            وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل ، ويؤيده مخالفة ابن عباس لما رواه كما حكى ذلك عنه البخاري . قال الحافظ : وأحسن المسالك في تقرير الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص ، ولا مانع من ذلك .

                                                                                                                                            وأغرب ابن حزم فقال : إن قوله : " ردها إليه بعد كذا " مراده : جمع بينهما ، وإلا فإسلام أبي العاص كان قبل الحديبية وذلك قبل أن ينزل تحريم المسلمة على المشرك ، هكذا زعم . قال الحافظ : وهو مخالف لما أطبق عليه أهل المغازي أن إسلامه كان بعد نزول آية التحريم .

                                                                                                                                            وقال ابن القيم في الهدي ما محصله : إن اعتبار العدة لم يعرف في شيء من الأحاديث ، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أو لا ، ولو كان الإسلام بمجرده فرقة لكانت طلقة بائنة ولا رجعة فيها فلا يكون الزوج أحق بها إذا أسلم ، وقد دل حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف ، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته ، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت ، وإن أحبت انتظرته ، وإذا أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح ، قال : ولا نعلم أحدا جدد بعد الإسلام نكاحه ألبتة ، بل كان الواقع أحد الأمرين : إما افتراقهما ونكاحها غيره ، وإما بقاؤهما على النكاح الأول إذا أسلم الزوج ، وأما تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة ، فلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده ، وهذا كلام في غاية الحسن والمتانة .

                                                                                                                                            قال : وهذا [ ص: 195 ] اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم وهو مذهب الحسن وطاوس وعكرمة وقتادة والحكم . قال ابن حزم وهو قول عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس ، ثم عد آخرين . وقد ذهب إلى أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها لم تخطب حتى تحيض وتطهر ابن عباس وعطاء وطاوس والثوري وفقهاء الكوفة ، ووافقهم أبو ثور واختاره ابن المنذر ، وإليه جنح البخاري ، وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام في تلك المدة فيمتنع إن كانا معا في دار الإسلام .

                                                                                                                                            وقد روي عن أحمد أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام من غير توقف على مضي العدة كسائر أسباب الفرقة من رضاع أو خلع أو طلاق . وقال في البحر مسألة : إذا أسلم أحدهما دون الآخر انفسخ النكاح إجماعا ، ثم قال بعد ذلك : مسألة : المذهب والشافعي ومالك وأبو يوسف : والفرقة بإسلام أحدهما فسخ لا طلاق ، إذ العلة : اختلاف الدين ، كالردة . وقال أبو العباس وأبو حنيفة ومحمد : بل طلاق ، حيث أسلمت وأبى الزوج ، إذ امتناعه كالطلاق . قلنا : بل كالردة ا هـ . قوله : ( وكان إسلامها . . . إلخ ) المراد بإسلامها هنا : هجرتها ، وإلا فهي لم تزل مسلمة منذ بعثه الله تعالى كسائر بناته صلى الله عليه وسلم ، وكانت هجرتها بعد بدر بقليل وبدر في رمضان السنة الثانية ، وتحريم المسلمات على الكفار في الحديبية سنة ست في ذي القعدة فيكون مكثها بعد ذلك نحوا من سنتين ، هكذا قيل ، وفيه بعض مخالفة لما تقدم .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية