الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

للزوجة على الزوج أن يبيت عندها ليلة من أربع

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

ولها عليه أن يبيت عندها ليلة من أربع ، وإن كانت أمة ، فمن كل ثمان ، وقال أصحابنا : من كل سبع ، وله الانفراد بنفسه فيما بقي ، وعليه أن يطأ في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر ، وإن سافر عنها أكثر من ستة أشهر ، فطلبت قدومه ، لزمه ذلك إن لم يكن عذر ، فإن أبى شيئا من ذلك ، ولم يكن عذر ، فطلبت الفرقة ، فرق بينهما; لأنه لو ضربت له المدة لذلك ، وفرق بينهما ، لم يكن للإيلاء أثر ، وعنه : ما يدل على أن الوطء غير واجب فيكون هذا كله غير واجب .

التالي السابق


فصل

( ولها عليه أن يبيت عندها ليلة من أربع ) إذا كانت حرة بطلبها; لما روى كعب بن سور ، أنه كان جالسا عند عمر بن الخطاب ، فجاءت امرأة ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي ، والله إنه ليبيت ليله قائما ، ويظل نهاره صائما ، فاستغفر لها ، وأثنى عليها ، واستحيت المرأة ، وقامت راجعة ، فقال كعب : يا أمير المؤمنين ، هلا أعديت المرأة على زوجها ، فقال : وما ذاك ؛ فقال : إنها جاءت تشكوه ، إذا كان هذا حاله في العبادة ، فمتى يتفرغ لها ، فبعث عمر إلى زوجها وقال لكعب : اقض بينهما; فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهمه ، قال : فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن ، فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة ، فقال عمر : والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر ، [ ص: 197 ] اذهب فأنت قاض على البصرة ، وفي لفظ ، قال عمر : القاضي أنت ، رواه سعيد ، ثنا خالد بن عبد الله ، عن حصين ، عن عامر الشعبي ، وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر ، فكانت كالإجماع ، يؤيده قوله عليه السلام لعبد الله بن عمرو بن العاص : فإن لجسدك عليك حقا ، ولزوجك عليك حقا متفق عليه; ولأنه لو لم يجب لها حق لملك الزوج تخصيص إحدى زوجاته به ، كالزيادة في النفقة على قدر الواجب ( وإن كانت أمة فمن كل ثمان ) اختاره المؤلف ، وجزم به في " التبصرة " ; لأنها على النصف من الحرة; لأن زيادتها على ذلك تحل بالتنصيف ، وزيادة الحرة على ليلة من أربع زيادة على الواجب ، فتعين ما ذكرناه ( وقال أصحابنا ) منهم صاحب " المحرر " و " الوجيز " وقدمه في " الفروع " ( من كل سبع ) ; لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر لهن ست ، ولها السابعة ، قال في " المغني " و " الشرح " : والأول أولى ، أي : لها ليلة من ثمان لتكون على النصف من الحرة ، فإن حقها من كل ثمان ليلتان ، فلو كان للأمة ليلة من سبع لزاد على النصف ، ولم يكن للحرة ليلتان ، ولها ليلة; ولأنه إذا كان تحته ثلاث حرائر وأمة ، ولم يرد أن يزيد لهن على الواجب فقسم بينهن سبعا ، فما يصنع في الليلة الثامنة إن أوجبنا عليه مبيتها عند الحرة ، فقد زاد على الواجب ، وإن باتها عند الأمة جعلها كالحرة ، ولا سبيل إليه ، وعلى ما اختاره تكون هذه الليلة الثامنة له ، إن أحب انفرد بها فيها ، وإن أحب بات عند الأولى ستا إبقاء للقسم ( وله الانفراد بنفسه فيما بقي ) فإن كان تحته حرة وأمة ، قسم لهن ثلاث ليال من ثمان ، وله الانفراد في خمس ، وإن كان تحته حرتان وأمة فلهن خمس وله ثلاث ، وإن كان تحته [ ص: 198 ] حرتان وأمتان ، فلهن ست وله ليلتان ، وإن كانت أمة فلها ليلة وله سبع ، وعلى قول الأصحاب : لها ليلة وله ست ، ولكن قال أحمد : ما أحب أن يبيت وحده إلا أن يضطر ، وقاله في سفره وحده ، وعنه : لا يعجبني ، وعن أبي هريرة مرفوعا أنه لعن راكب الفلاة وحده والبائت وحده . رواه أحمد ، وفيه طيب بن محمد ، قيل : لا يكاد يعرف ، وله مناكير ، وذكره ابن حبان في الثقات .

( و ) يجب ( عليه أن يطأ في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر ) على المذهب; لأنه لو لم يكن واجبا لم يصر باليمين على تركه واجبا كسائر ما لا يجب; ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين ورفع الضرر عنهما ، وهو مفض إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة ، كإفضائه إلى رفعه عن الرجل ، ويكون الوطء حقا لهما جميعا; ولأنه لو لم يكن لها فيه حق لما وجب استئذانها في العزل كالأمة ، وشرط المدة ثلث سنة; لأن الله قدر في حق المؤلي ذلك ، فكذا في حق غيره ، وأن لا يكون عذر ، فإن لم يكن لمرض ونحوه لم يجب عليه من أجل عذره ( وإن سافر عنها ) لعذر وحاجة سقط حقها من القسم والوطء ، وإن طال سفره ، بدليل أنه لا يفسخ نكاح المفقود إذا ترك لامرأته نفقة ، وإن لم يكن عذر مانع من الرجوع فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر ، ونبه عليه بقوله ( أكثر من ستة أشهر فطلبت قدومه لزمه ذلك ) ; لما روى أبو حفص بإسناده [ ص: 199 ] عن زيد بن أسلم ، قال : بينا عمر بن الخطاب يحرس المدينة ، فمر بامرأة في بيتها وهي تقول :

تطاول هذا الليل واسود جانبه وطال على أن لا خليل ألاعبه     فوالله لولا خشية الله والحيا
لحرك من هذا السرير جوانبه

فسأل عنها ، فقيل له : فلانة زوجها غائب عنها في سبيل الله ، فأرسل إليها امرأة تكون معها ، وبعث إلى زوجها ، فأقفله ثم دخل على حفصة ، فقال : يا بنية ، كم تصبر المرأة عن زوجها ، فقالت : سبحان الله ، مثلك يسأل مثلي عن هذا ؛ فقال : لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك ، فقالت : خمسة أشهر ، ستة أشهر ، فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر ، يسيرون شهرا ، ويقيمون أربعة أشهر ، ويرجعون في شهر ، وسئل أحمد : كم للرجل أن يغيب عن أهله ؛ قال : يروى ستة أشهر ، وقد يغيب أكثر من ذلك لأمر لا بد له منه ، ويلحق بذلك الحج وطلب رزق محتاج إليه ، نص عليه ( إن لم يكن عذر ) يعني : إذا كان له عذر لا يلزمه القدوم; لأن صاحب العذر يعذر من أجل عذره ( فإن أبى شيئا من ذلك ، ولم يكن عذر فطلبت الفرقة ، فرق بينهما ) ولو قبل الدخول ، نص عليه; لأنه في معنى مؤل ، قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل تزوج بامرأة ولم يدخل بها - هل يجبر عليه ؛ قال : أذهب إلى أربعة أشهر إن دخل بها ، وإلا فرق بينهما ، وعنه : لا يفرق ، وفي " المغني " : هو ظاهر قول أصحابنا ، وقاله أكثر الفقهاء; ( لأنه لو ضربت له المدة لذلك وفرق بينهما لم يكن للإيلاء أثر ) وقيل : إن غاب أكثر من ذلك لغير عذر راسله الحاكم ، فإن أبى أن يقدم فسخ نكاحه ، ولا يجوز [ ص: 200 ] الفسخ إلا بحكم الحاكم; لأنه مختلف فيه ( وعنه : ما يدل على أن الوطء غير واجب فيكون هذا كله غير واجب ) ; لأنه حق له ، فلم يجب عليه كسائر حقوقه ، والأولى خلافها ، وفي " الترغيب " ذكر القاضي ، وابن عقيل أنه يلزم من البيتوتة بما يزول معه ضرر الوحشة ، ويحصل معه الأنس المقصود بالزوجية ، فلا توقيت ، فيجتهد الحاكم ، وفي " المغني " في امرأة من علم خبره كأسير ومحبوس - لها الفسخ بتعذر النفقة من ماله إجماعا ، وإلا فلا ، وإن تعذر الوطء لعجز كالنفقة ، وأولى للفسخ يتعذر في الإيلاء ، وقاله أبو يعلى الصغير .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث