الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


3232 [ ص: 399 ] كتاب القضاء والشهادات

وقال النووي (كتاب الأقضية ) . وزاد في المنتقى : (والأحكام ) .

باب التحكم بالظاهر واللحن بالحجة

ولفظ النووي : ( باب بيان أن حكم الحاكم ، لا يغير الباطن ) . وعبارة المنتقى : ( باب إن حكم الحاكم ينفذ، ظاهرا لا باطنا ) .

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 5 - 6 ج 12 المطبعة المصرية

[عن أم سلمة "زوج النبي صلى الله عليه وسلم" ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر. وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له. فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار. فليحملها، أو يذرها " ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن أم سلمة ) رضي الله عنها ، (زوج النبي صلى الله عليه ) وآله (وسلم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع جلبة خصم ) بتقديم الجيم. وفي رواية : " لجبة " بفتح اللام والجيم والموحدة.

[ ص: 400 ] قال النووي : وهما صحيحان. والجلبة واللجبة : اختلاط الأصوات.

والخصم هنا : الجماعة. وهو من الألفاظ التي تقع على الواحد والجمع. (بباب حجرته ، فخرج إليهم ، فقال : إنما أنا بشر ) .

قال النووي : معناه : التنبيه على حالة البشرية. وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا ، إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك. وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ، ما يجوز عليهم. وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر ، فيحكم بالبينة واليمين ، ونحو ذلك من أحكام الظاهر ، مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك. ولكنه إنما كلف الحكم بالظاهر. انتهى.

" والبشر " يطلق على الجماعة والواحد. بمعنى أنه منهم. والمراد : أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة. ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها في ذاته وصفاته. والحصر هنا مجازي ، لأنه يختص بالعلم الباطن. ويسمى : " قصر قلب " ، لأنه أتى به ردا على من زعم : أن من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب ، حتى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم. وقد أطال الكلام على بيان معنى هذا الحصر : علماء المعاني والبيان. فليرجع إلى ذلك..

(وإنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صادق ، فأقضي له ) .

[ ص: 401 ] قال النووي : لو شاء الله لأطلعه " صلى الله عليه وآله وسلم " على باطن أمر الخصمين ، فحكم بيقين نفسه ، من غير حاجة إلى شهادة أو يمين. لكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه ، أجرى له حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور ، ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه. فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره ، ليصح الاقتداء به ، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة ، من غير نظر إلى الباطن. والله أعلم.

(فمن قضيت له بحق مسلم (يعني : بظاهر يخالف الباطن. فهو حرام يئول به إلى النار.

والتقييد " بالمسلم " ، خرج على الغالب. وليس المراد به : الاحتراز عن الكافر. فإن مال الذمي ، والمعاهد ، والمرتد ، في هذا : كمال المسلم. والله أعلم..

(فإنما هي قطعة من النار (.

فيه : دليل على إثم من خاصم في باطل ، حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطن حرام عليه. وأن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل ، حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به : أنه لا يحل له تناوله في الباطن. ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.

[ ص: 402 ] وفيه : أن المجتهد إذا أخطأ ، لا يلحقه إثم. بل يؤجر كما في الحديث الصحيح : " وإن اجتهد فأخطأ ، فله أجر".

وفيه : أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقضي بالاجتهاد ، فيما لم ينزل عليه فيه شيء. وخالف في ذلك قوم. وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.

وفيه : أنه ربما أداه اجتهاده : إلى أمر فيحكم به. ويكون في الباطن بخلاف ذلك. قال الحافظ : لكن مثل ذلك لو وقع ، لم يقر عليه صلى الله عليه وآله وسلم ، لثبوت عصمته.

(فليحملها ؛ أو يذرها ) قال النووي : ليس معناه : " التخيير ". بل هو التهديد والوعيد. كقوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وكقوله سبحانه : اعملوا ما شئتم .

قال : وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وجماهير علماء الإسلام ، وفقهاء الأمصار ، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم : أن حكم الحاكم لا يحيل الباطن. ولا يحل حراما. فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال ، فحكم به الحاكم : لم يحل للمحكوم له ذلك المال. ولو شهدا عليه بقتل ، لم يحل للولي قتله مع علمه [ ص: 403 ] بكذبهما. وإن شهدا بالزور أنه طلق امرأته ، لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق..

وقال أبو حنيفة : يحل حكم الحاكم الفروج ، دون الأموال. فقال : يحل نكاح المذكورة. قال : وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح ، ولإجماع من قبله. ومخالف لقاعدة وافق هو وغيره عليها. وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. والله أعلم. انتهى.

وفي المقام : مقاولات ، ومطاولات. ومع وضوح الصواب : لا فائدة في الإطناب.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث