الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الأداء والقضاء والإعادة

جزء التالي صفحة
السابق

من لواحق خطاب الوضع تقسيم الحكم إلى أداء وقضاء وإعادة .

والضابط : أن العبادة إن فعلت في وقتها المحدود شرعا سميت أداء ، كفعل المغرب ما بين غروب الشمس وغروب الشفق ، فخرج ما لم يقصد فيه الوقت فلا يوصف بأداء ولا قضاء ، لأن المقصود منه الفعل في أي زمان كان ، كالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد عند حضور العدو . بخلاف الأداء فإنه قصد منه الفعل والزمان .

وقالت الحنفية : غير المؤقت يسمى أداء شرعا . قال الله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } نزلت في تسليم مفتاح الكعبة ، وهو غير مؤقت ، ولأصحابنا أن هذا معنى اللغوي ، والكلام في الاصطلاحي ، ولا يشترط وقوع الجميع في الوقت بل [ ص: 41 ] لو وقع بعضه كركعة ، فالصحيح : أن الجميع أداء تبعا للركعة ، فإنها لمعظم الصلاة وقيل : بل يحكم ببقاء الوقت بالنسبة إليه ، وتكون العبادة كلها مفعولة في الوقت ، وهذا أمر تقديري ينافيه قولهم : بعضها خارج الوقت ، وسواء كان مضيقا كصوم رمضان ، أو موسعا كالصلاة وسواء فعل قبل ذلك مرة أخرى أم لا .

هذا هو قضية إطلاق الفقهاء والأصوليين منهم القاضي أبو بكر في التقريب " والغزالي في المستصفى " والإمام في المحصول " .

ثم قال الإمام : فإن فعل ثانيا بعد ذلك سمي إعادة ، فظن أتباعه أنه مخصص للإطلاق السابق فقيدوه وليس كذلك .

فالصواب : أن الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقا مسبوقا كان أو سابقا ، وإن سبقه أداء مختل سمي إعادة ، فالإعادة قسم من أقسام الأداء ، فكل إعادة أداء من غير عكس ، ولا تغتر بما تقتضيه عبارة التحصيل " والمنهاج " من كونه قسيما له .

وهل المراد بالخلل في الإجزاء كمن صلى بدون شرط أو ركن ، أو في الكمال كمن صلى منفردا ثم أعادها في جماعة في الوقت ؟ خلاف ، والأول : قول القاضي .

فالحاصل : أن الإعادة فعل مثل ما مضى فاسدا كان الماضي أو صحيحا على القولين ، وقيل : لا يعتبر الوقت في الإعادة . فعلى هذا بين الأداء والإعادة عموم وخصوص من وجه ، فينفرد الأداء في الفعل الأول ، وتنفرد الإعادة بما إذا قضى صلاة ، وأفسدها ، ثم أعادها ، ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما سبق . [ ص: 42 ]

وقال سليم في التقريب " : الإعادة اسم للعبادة يبتدأ بها ، ثم لا يتم فعلها إما بأن لا يعقدها صحيحة ، وإما بأن يطرأ الفساد عليها ، وقد . يعيدها في الوقت فتكون أداء ، وبعد الوقت فتكون قضاء ، وربما عبر بالإعادة عن العبادة التي تؤخر ، أما إن أدى خارج وقته المضيق أو الموسع المتعين له سمي قضاء سواء كان التأثير بعذر أو بغيره ، وسواء سبق بنوع من الخلل أم لا .

وخرج بالمقدر : المعين عن المقدر بغيره ، بل بضرب من الاجتهاد كالموسع في الحج إذا تضيق وقته بغلبة الظن ، ثم بقي بعد ذلك وأداه فإنه لا يكون قضاء على المختار ، وسيأتي ، وسواء وجب أداؤه أو لم يجب ولكن وجد سبب الأمر ، ولا يصح عقلا كالنائم أو شرعا كالحائض ، أو يصح لكنه سقط لمانع باختيار العبد كالسفر ، أو لا باختياره كالمرض ، وما لا يوجد فيه سبب الأمر به لم يكن فعله بعد انقضاء الوقت قضاء إجماعا لا حقيقة ولا مجازا ، كما لو صلى الصبي الصلاة الفائتة في حالة الصبا ، وإن انعقد سبب وجوبه ووجب كان فعله خارج الوقت قضاء حقيقة بلا خلاف ، وإن انعقد سبب وجوبه ولم يجب لعارض سمي قضاء أيضا ومنه قول عائشة : { كنا نؤمر بقضاء الصوم } لكن اختلف فيه هل هو قضاء حقيقة أو مجازا ؟ والأكثرون على أن المعتبر في تسمية العبادة قضاء تقدم سبب وجوب أدائها لا وجوب أدائها ، وإلا لم تصح تسمية عبادة المجنون والحائض قضاء ، إذ لم يخاطب واحد منهما ، وهذا ما ذكره الإمام الرازي والمازري وغيرهما ، وهو الصحيح المنصوص أن الصوم لا يجب عليها حالة [ ص: 43 ] الحيض ، وخالف القاضي عبد الوهاب ، فقال : الحيض يمنع صحة الصوم دون وجوبه ، ونسبه إلى الحنفية ومأخذ الخلاف في أن القضاء في محل الوفاق هل كان لاستدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه فيكون هاهنا حقيقة لانعقاد سبب الوجوب ، أو لاستدراك مصلحة ما وجب فيكون هاهنا مجازا لعدم الوجوب ؟ وذكر سليم الرازي : أن مأخذ الخلاف أن القضاء هل يجب بأمر جديد أم بالأمر الأول ؟ فمن أوجبه الأمر الأول أطلق اسم القضاء عليه حقيقة وعلى مقابله يكون مجازا ، ثم إذا قلنا باشتراط سبق الوجوب في القضاء ، فهل يعتبر وجوبه على المستدرك أو وجوبه في الجملة ؟ قولان . ويتحصل من ثلاثة مذاهب :

الأول : وعليه الجمهور أن فعلهم في الزمان الثاني قضاء بناء على أن المعتبر في القضاء سبق الوجوب في الجملة لا سبق الوجوب على ذلك الشخص .

والثاني : أنه ليس بقضاء لعدم الوجوب عليهم بدليل الإجماع على جواز الترك .

والثالث : أنه واجب عليهم في الزمان الأول بسببه ، وفعلهم في الزمن الثاني قضاء .

قلنا : لو كانت الصلاة والصوم واجبان عليهم بأسبابهما لما جاز لهم تركهما لكن يجوز لهم تركهما إجماعا .

قالوا : شهود الشهر موجب ، لقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وهم قد شهدوا الشهر . [ ص: 44 ]

قلنا : شهود الشهر وإن كان موجبا للصوم عليهم لكن العذر مانع من الوجوب ، والشيء قد لا يترتب على موجبه لمانع فلا يلزم من شهود الشهر وجوب الصوم عليهم .

قال في المحصول " : ففي جميع هذه المواضع اسم القضاء إنما جاء لأنه وجد سبب الوجوب منفكا عن الوجوب ، لا لأنه وجد سبب الوجوب كما يقول بعض الفقهاء ، لأن المنع من الترك جزء ماهية الوجوب ، فيستحيل تحقق الوجوب مع جواز الترك .

ثم تقدم السبب قد يكون مع التأثيم بالترك كالقاتل المتعمد المتمكن من الفعل ، وقد لا يكون كالحائض ، ثم قد يصح مع الإجزاء وقد لا يصح إما شرعا كالحيض أو عقلا كالنوم ، ثم قيل : القضاء لا يوصف إلا بالواجب ، وقيل : لا يوصف بشيء من الثلاثة غيره وهما فاسدان .

والصواب : أن الواجب والمندوب كل منهما يوصف بالثلاثة ، ولهذا يقولون : يقضي الرواتب على الأظهر .

تنبيه [ لا فرق بين تسمية القضاء أداء وبالعكس ]

ما ذكر من الفرق بين الأداء والقضاء راجع إلى التلقيب والاصطلاح ، وإلا فعندنا لا فرق بين أن يسمى القضاء أداء والأداء قضاء ، ولهذا يجوز أن يعقد القضاء بنية الأداء ، فإذن لا فرق بينهما في الحقيقة وإنما هي ألفاظ وألقاب تطلق والحقيقة واحدة ، كذا قاله ابن برهان في الأوسط " ذيل الكلام في أن القضاء هل يجب بأمر جديد ؟ وهو منازع فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث