الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إحداد المعتدة

جزء التالي صفحة
السابق

باب إحداد المعتدة 2936 - ( عن أم سلمة : { أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل ، فقال : لا تكتحل ، كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها ، فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر } متفق عليه ) .

2937 - ( وعن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت : { دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ، ثم مست بعارضيها ، ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، قالت زينب : ثم دخلت علي زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا . قالت زينب : وسمعت أمي أم سلمة تقول : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يقول : لا ، ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ، قال حميد : فقلت لزينب : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ؟ [ ص: 347 ] فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتقتض به ، فقلما تفتض بشيء إلا مات ، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره } أخرجاه ) .

2938 - ( وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا } أخرجاه ، واحتج به من لم ير الإحداد على المطلقة )

التالي السابق


قوله : ( أن امرأة ) هي عاتكة بنت نعيم بن عبد الله كما أخرجه ابن وهب عن أم سلمة والطبراني أيضا . قوله : ( لا تكتحل ) فيه دليل على تحريم الاكتحال على المرأة في أيام عدتها من موت زوجها سواء احتاجت إلى ذلك أم لا . وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره " اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار " ولفظ أبي داود " فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار " قال في الفتح : ووجه الجمع بينهما أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل . وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه ; فإذا فعلت مسحته بالنهار . وتأول بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقق الخوف على عينها . وتعقب بأن في حديث الباب المذكور : " فخشوا على عينها " في رواية لابن منده " وقد خشيت على بصرها " وفي رواية لابن حزم " إني أخشى أن تنفقئ عينها

قال : لا ، وإن انفقأت " قال الحافظ وسنده صحيح . ولهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقا . وعنه : يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه ، وبه قالت الشافعية مقيدا بالليل . وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير كحل كالتضميد بالصبر . ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص وهو ما يقتضي التزين به ; لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه فلم ينحصر فيما فيه زينة . وقالت طائفة من العلماء : يجوز ذلك ولو كان فيه طيب ، وحملوا النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة . قوله : ( في شر أحلاسها ) المراد بالأحلاس : الثياب ، وهي بمهملتين جمع حلس بكسر ثم سكون : وهو الثوب ، أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة . قوله : ( أو شر بيتها ) هو أضعف موضع فيه كالأمكنة المظلمة ونحوها ، والشك من الراوي . قوله : ( فمر كلب رمت ببعرة ) البعرة بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة ويجوز فتحها ، وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك : " ترمي ببعرة من [ ص: 348 ] بعر الغنم أو الإبل ، فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالا لها " وظاهر رواية الباب أن رميها بالبعرة يتوقف على مرور الكلب سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر ، وبه جزم بعض الشراح

وقيل : ترمي بها من عرض من كلب أو غيره تري من حضرها أن مقامها حولا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا أو غيره . واختلف في المراد برمي البعرة ، فقيل : هو إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة . وقيل : إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارا له وتعظيما لحق زوجها . وقيل بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى مثل ذلك قوله : ( حتى تمضي أربعة أشهر وعشر ) وقيل : الحكمة في ذلك أنها تكمل خلقة الولد وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما ، وهي زيادة على أربعة أشهر لنقصان الأهلة ، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط ، وذكر العشر مؤنثا لإرادة الليالي ، والمراد مع أيامها عند الجمهور فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة . وعن الأوزاعي وبعض السلف تنقضي بمضي الليالي العشر بعد الأشهر ، وتحل في أول اليوم العاشر

واستثنيت الحامل كما تقدم شرح حالها . ويعارض أحاديث الباب ما أخرجه أحمد وابن حبان وصححه من حديث أسماء بنت عميس قالت : { دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب : فقال لا تحدي بعد يومك هذا } وسيأتي . قال العراقي في شرح الترمذي : ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث ; لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بالاتفاق وهي والدة أولاده ، قال : بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز . وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة . وقد أجمعوا على خلافه . وأجاب الطحاوي بأنه منسوخ ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت ثم وقع الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا . واستدل على النسخ بأحاديث الباب وليس فيها ما يدل على ذلك . وقيل : المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدر زائد على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر ، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث

ويحتمل أنها كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها . ويحتمل أنه أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد . وقد أعل البيهقي الحديث بالانقطاع فقال : لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء . وتعقب بأنه قد صححه أحمد ، وقد ورد معنى حديث أسماء من حديث ابن عمر بلفظ : " لا إحداد فوق ثلاث " قال أحمد : هذا منكر ، والمعروف ، عن ابن عمر من رأيه . ويحتمل أن يكون هذا لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء . قوله : ( لا يحل ) استدل بذلك على تحريم الإحداد على غير الزوج وهو ظاهر ، وعلى وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها . وتعقب بأن الاستثناء [ ص: 349 ] وقع بعد النفي ، وهو يدل على مجرد الجواز لا الوجوب . ورد بأن الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع . وتعقب بأن المنقول عن الحسن البصري أن الإحداد لا يجب كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة .

وروي أيضا عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد

وقيل : إن السياق دال على الوجوب : قوله : ( لامرأة ) تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا : ( لا يجب الإحداد على الصغيرة ، وخالفهم الجمهور فأوجبوه عليها كالعدة . وأجابوا عن التقيد بالمرأة بأنه خرج مخرج الغالب ، وظاهر الحديث عدم الفرق بين المدخولة وغيرها والحرة والأمة . قوله : تؤمن بالله واليوم الآخر ) استدل به الحنفية وبعض المالكية على عدم وجوب الإحداد على الذمية . وخالفهم الجمهور ، وأجابوا بأنه ذكر للمبالغة في الزجر فلا مفهوم له . وقال النووي : التقييد بوصف الإيمان لأن المتصف به هو الذي ينقاد للشرع . ورجح ابن دقيق العيد الأول . وقد أجاب ابن القيم في الهدي عن هذا التقييد بما فيه كفاية فراجعه . قوله : ( تحد ) بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي ويجوز بفتح أوله وضم ثانيه من الثلاثي . قال أهل اللغة : أصل الإحداد : المنع ، ومنه تسمية البواب حدادا لمنعه الداخل ، وتسمية العقوبة حدا لأنها تردع عن المعصية

قال ابن درستويه : معنى الإحداد : منع المعتدة نفسها للزينة وبدنها للطيب ومنع الخطاب خطبتها ، وحكى الخطابي أنه يروى بالجيم والحاء والحاء أشهر . وهو بالجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته ، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة . قوله : ( على ميت ) استدل به من قال : إنه لا إحداد على امرأة المفقود لعدم تحقق وفاته خلافا للمالكية . وظاهره أنه لا إحداد على المطلقة . فأما الرجعية فإجماع وأما البائنة فلا إحداد عليها عند الجمهور . وقال أبو حنيفة وأبو عبيد وأبو ثور وبعض المالكية والشافعية ، وحكاه أيضا في البحر عن أمير المؤمنين علي وزيد بن علي والمنصور بالله والثوري والحسن بن صالح أنه يلزمها الإحداد . والحق الاقتصار على مورد النص عملا بالبراءة الأصلية فيما عداه ، فمن ادعى وجوب الإحداد على غير المتوفى عنها فعليه الدليل

وأما المطلقة قبل الدخول فقال في الفتح : إنه لا إحداد عليها اتفاقا . قوله : ( فوق ثلاث ) فيه دليل على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما دونها ، وتحريمه فيما زاد عليها ، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية . وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل من حديث عمرو بن شعيب " أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام ، وعلى من سواه ثلاثة أيام " فلو صح لكان مخصصا للأب من هذا العموم لكنه مرسل . وأيضا عمرو بن شعيب ليس من التابعين حتى يدخل حديثه في المرسل . وقال الحافظ : يحتمل أن أبا داود لا يخص المرسل برواية التابعي . قوله : ( والله ما لي بالطيب من حاجة ) إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها [ ص: 350 ] لكنها لم يسعها إلا امتثال الأمر . قوله : ( وقد اشتكت عينها ) قال ابن دقيق العيد : يجوز فيه وجهان : ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية ، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير للفاعل ، ويرجح الأول أنه وقع في مسلم " عينيها " وعليها اقتصر النووي

قوله : ( أفنكحلها ) بضم الحاء . قوله : ( حفشا ) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها معجمة ، فسره أبو داود في روايته من طريق مالك أنه البيت الصغير . قوله : ( فتقتض به ) بفاء ثم مثناة من فوق ثم قاف ثم مثناة فوقية ثم ضاد معجمة ، فسره مالك بأنها تمسح به جلدها ، وفي النهاية فرجها ، وأصل الفض : الكسر : أي تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما فعلت بالدابة .

وفي رواية للنسائي " تقبص " بعد القاف باء موحدة ثم صاد مهملة ، والقبص : الأخذ بأطراف الأنامل . قال الأصبهاني وابن الأثير : هو كناية عن الإسراع : أي تذهب بسرعة إلى منزل أبويها لكثرة جفائها بقبح منظرها أو لشدة شوقها إلى الأزواج لبعد عهدها . قال ابن قتيبة : سألت الحجازيين عن الاقتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا ، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ، ثم تقتض : أي تكسر ما كانت فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها فلا يكاد يعيش ما تقتض به

قال الحافظ : وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص منه لأنه أطلق الجلد فتبين أن المراد به جلد القبل . والافتضاض بالفاء : الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ حتى تصير بيضاء نقية كالفضة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث