الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 413 ] 216 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر العورة

1381 - حدثنا حسين بن نصر قال : سمعت يزيد بن هارون قال : أخبرنا بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : قلت : يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي أو ما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو مما ملكت يمينك .

قال : قلت : يا رسول الله ، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال : فإن استطعت أن لا يراها أحد . قال : قلت : يا رسول الله ، إذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : فالله أحق أن يستحيا منه من الناس
.

[ ص: 414 ]

1382 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : أخبرنا بهز بن حكيم ، فذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فالله عز وجل أحق أن يستحيا منه من الناس .

قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحظر على الرجال ستر عوراتهم من أزواجهم ، ولا مما ملكت أيمانهم .

1383 - وقد حدثنا بكار بن قتيبة قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا منصور بن المعتمر ، عن موسى - قال أبو جعفر : وهو ابن عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي - عن مولاة لعائشة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت فرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط .

[ ص: 415 ] قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما ذكرناه عنها فيه ، وذلك عندنا - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان في سنته أن هذا غير محظور عليه تركه واستعمل سنن نفسه منه ، وذلك لما أعلى الله من منزلته ورفع من قدره ، وجعل رتبته الرتبة المتجاوزة لرتب سائر خلقه سواه ، فكان فيما فعل من ذلك من الستر على ما يكون عليه من هذه منزلته ، وكان من سواه من الناس على حكم سنته المذكورة في حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده عنه .

فقال قائل : كيف تقبلون هذا عن عائشة ، وأنتم تروون وعندكم عنها ما يخالف ذلك ؟ وذكر .

1384 - ما قد حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد الشجري قال : حدثني يحيى بن محمد بن عباد قال : حدثني ابن إسحاق عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي ، فأتاه ، فقرع عليه الباب ، فقام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريانا ، والله ما رأيته عريانا قبله ، فقبله واعتنقه .

[ ص: 416 ] فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله عز وجل وعونه - أن حديث عروة هذا عن عائشة غير مخالف لحديث مولاتها عنها الذي ذكرناه ؛ لأن الذي في هذا إخبارها أنها رأته عريانا ، وقد يكون ذلك منه عريا ليس فيه انكشاف عورة ، وأطلقت عليه فيه العري ؛ لأن أكثر بدنه كان كذلك .

والدليل على هذا التأويل أن الذي في هذا الحديث من قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كان ليلقى رجلا لا يصلح له أن يلقاه مكشوف العورة ، فكان في ذلك ما قد دل على أن العري الذي لقيه عليه لم يكن فيه انكشاف عورة له ، وعاد بذلك ما رأته عائشة منه حينئذ إلى ما يصلح أن يراه ذلك الرجل من بدنه .

وفي ذلك ما قد دل أنها لم تر له حينئذ عورة ، وفي ذلك إثبات ما روته مولاة عائشة عن عائشة مما قد رويناه عنها في هذا الكتاب . والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية