الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج

[ ص: 71 ] يسألونك عن الأهلة أخرج ابن عساكر بسند ضعيف، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد فنزلت، وفي رواية أن معاذا قال: يا رسول الله، إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فيراد بالجمع على الرواية الأولى ما فوق الواحد أو ينزل الحاضرون المترقبون للجواب منزلة السائل، وظاهره المتبادر على الرواية الثانية، بناء على أن سؤال اليهود من بعض أصحابه بمنزلة السؤال منه – صلى الله تعالى عليه وسلم - إذ هو طريق علمهم، ومستمد فيضهم، و الأهلة جمع هلال، واشتقاقه من استهل الصبي إذا بكى وصاح حين يولد، ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمي به القمر في ليلتين من أول الشهر أو في ثلاث أو حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بخط دقيق، وإليه ذهب الأصمعي، أو حتى يبهر ضوءه سواد الليل، وغيا ذلك بعضهم بسبع ليال، وسمي بذلك؛ لأنه حين يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير، ولهذا يقال: أهل الهلال واستهل ولا يقال هل، والسؤال يحتمل أن يكون عن الغاية والحكمة، وأن يكون عن السبب والعلة، ولا نص في الآية، والخبر على أحدهما، أما الملفوظ من الآية فظاهر، وأما المحذوف، فيحتمل أن يقدر ما سبب اختلافها، وأن يقدر ما حكمته، وهي وإن كانت في الظاهر سؤالا عن التعدد، إلا أنها في الحقيقة متضمنة للسؤال عن اختلاف التشكلات النورية؛ لأن التعدد يتبع اختلافها إذ لو كان الهلال على شكل واحد لا يحصل التعدد كما لا يخفى، وأما الخبر فلأن ما فيه يسأل بها عن الجنس وحقيقته، فالمسؤول حينئذ حقيقة أمر الهلال وشأنه حال اختلاف تشكلاته النورية، ثم عوده إلى ما كان عليه، وذلك الأمر المسؤول عن حقيقته يحتمل ذينك الأمرين بلا ريب، فعلى الأول يكون الجواب بقوله تعالى : قل هي مواقيت للناس والحج مطابقا مبينا للحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ العام، المذكرة لنعمة الله - تعالى - ومزيد رأفته - سبحانه -، وهي أن يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم الدنيوية، ويعلمون أوقات زروعهم ومتاجرهم ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها؛ كالصيام والإفطار، وخصوصا الحج، فإن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء، ولو كان الهلال مدورا كالشمس أو ملازما حالة واحدة لم يكد يتيسر التوقيت به، ولم يذكر - صلى الله تعالى عليه وسلم - الحكمة الباطنة لذلك، مثل كون اختلاف تشكلاته سببا عاديا أو جعليا لاختلاف أحوال المواليد العنصرية كما بين في محله؛ لأنه مما لم يطلع عليه كل أحد، وعلى الثاني يكون من الأسلوب الحكيم، ويسمى القول بالموجب، وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها على أنه الأولى بحاله، واختاره السكاكي وجماعة، فيكون في هذا الجواب إشارة إلى أن الأولى على تقدير وقوع السؤال أن يسألوا عن الحكمة لا عن السبب؛ لأنه لا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم، والنبي إنما بعث لبيان ذلك، لا لأن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ليسوا ممن يطلع على دقائق علم الهيئة الموقوفة على الأرصاد والأدلة الفلسفية كما وهم؛ لأن ذلك على فرض تسليمه في حق أولئك المشائين في ركاب النبوة، والمرتاضين في رواق الفتوة والفائزين بإشراق الأنوار، والمطلعين بأرصاد قلوبهم على دقائق الأسرار، وإن لم يكن نقصا من قدرهم، إلا أنه يدل على أن سبب الاختلاف ما بين في علم الهيئة من بعد القمر عن الشمس وقربه إليها، وهو باطل عند أهل الشريعة، فإنه مبني على أمور لم يثبت جزما شيء منها، غاية الأمر أن الفلاسفة الأول تخيلوها موافقة لما أبدعه الحكيم المطلق، كما يشير إليه كلام مولانا الشيخ الأكبر - قدس سره - في فتوحاته، ومما ينادي على أن ما ذهبوا إليه مجرد تخيل [ ص: 72 ] لا تأباه الحكمة، وليس مطابقا لما في نفس الأمر أن المتأخرين مما انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل الحكيم وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة، وقالوا بأن الشمس مركز والأرض وكذا النجوم دائرة حولها وبنوا حكم الكسوف والخسوف ونحوه على ذلك، وبرهنوا عليه وردوا مخالفيه، ولم يتخلف شيء من أحكامهم في هذا الباب، بل يقع حسبما يقع ما يقوله الأولون مبنيا على زعمهم، فحيث اتفقت الأحكام مع اختلاف المبنيين وتضاد المشائين، ورد أحد الزعمين بالآخر ارتفع الوثوق بكلا المذهبين، ووجب الرجوع إلى العلم المقتبس من مشكاة الرسالة والمنقدح من أنوار شمس السيادة والبسالة، والاعتماد على ما قاله الشارع الأعظم – صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد إمعان النظر فيه، وحمله على أحسن معانيه، وإذا أمكن الجمع بين ما يقوله الفلاسفة كيف كانوا مما يقبله العقل وبين ما يقوله سيد الحكماء ونور أهل الأرض والسماء، فلا بأس به، بل هو الأليق الأحرى في دفع الشكوك التي كثيرا ما تعرض لضعفاء المؤمنين، وإذا لم يمكن ذلك فعليك بما دارت عليه أفلاك الشرع وتنزلت به أملاك الحق.

إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام وسيأتي تتمة لهذا المبحث - إن شاء الله تعالى -، و المواقيت جمع ميقات صيغة آلة؛ أي ما يعرف به الوقت، والفرق بينه وبين المدة والزمان - على ما يفهم من كلام الراغب - أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك في الظاهر من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة مقسومة إلى السنين والشهور والأيام والساعات، والوقت الزمان المقدر والمعين، وقرئ بإدغام نون عن في الأهلة بعد النقل والحذف، واستدل بالآية على جواز الإحرام بالحج في كل السنة، وفيه بعد بل ربما يستدل بها على خلاف ذلك؛ لأنه لو صح لم يحتج إلى الهلال في الحج، وإنما احتيج إليه لكونه خاصا بأشهر معلومة محتاجة في تمييزها عن غيرها إليه، وإلى هذا ذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - ، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه في بيان حكم الصيام، وذكر شهر رمضان وبحث الأهلة يلائم ذلك؛ لأن الصوم مقرون برؤية الهلال، وكذا الإفطار، ولهذا قال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" هذا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث