الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض

جزء التالي صفحة
السابق

فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون

قوله تعالى: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وفيها قولان .

أحدهما: أنها النفخة الأولى، قاله عطاء .

والثاني: الأخيرة، قاله ابن السائب، ومقاتل . "وحملت الأرض [ ص: 349 ] والجبال" أي: حملت الأرض والجبال وما فيها "فدكتا دكة واحدة" أي: كسرتا، ودقتا دقة واحدة، لا يثنى عليها حتى تستوي بما عليها من شيء، فتصير كالأديم الممدود . وقد أشرنا إلى هذا المعنى في [الأعراف] عند قوله تعالى: جعله دكا [آية: 143] . قال الفراء: وإنما قال: فدكتا، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل الجبال كالشيء الواحد، كقوله تعالى: أن السماوات والأرض كانتا رتقا [الأنبياء: 30]، وأنشدوا:


هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا أن يسرت غنماهما



والعرب تقول: قد يسرت الغنم: إذا ولدت، أو تهيأت للولادة .

قوله تعالى: فيومئذ وقعت الواقعة أي: قامت القيامة وانشقت السماء لنزول من فيها من الملائكة فهي يومئذ واهية فيه قولان .

أحدهما: أن وهيها: ضعفها وتمزقها من الخوف، قاله مقاتل .

والثاني: أنه تشققها، قاله الفراء "والملك" يعني: الملائكة، فهو اسم جنس "على أرجائها" أي: على جوانبها . قال الزجاج: ورجاء كل شيء: ناحيته، مقصور . والتثنية: رجوان، والجمع: أرجاء . وأكثر المفسرين على أن [ ص: 350 ] المشار إليها السماء . قال الضحاك: إذا انشقت السماء كانت الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الله تعالى، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بها، ومن عليها . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: على أرجاء الدنيا .

قوله تعالى ويحمل عرش ربك فوقهم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: فوق رؤوسهم، أي: العرش على رؤوس الحملة، قاله مقاتل .

والثاني: فوق الذين على أرجائها، أي: أن حملة العرش فوق الملائكة الذين هم على أرجائها .

والثالث: أنهم فوق أهل القيامة، حكاهما الماوردي "يومئذ" أي: يوم القيامة "ثمانية" فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: ثمانية أملاك . وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة أملاك آخرين، هذا قول الجمهور .

والثاني: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة .

[ ص: 351 ] والثالث: ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم عددهم إلا الله، قاله مقاتل . وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" .

قوله تعالى: يومئذ تعرضون على الله لحسابكم (لا تخفى) عليه . قرأ حمزة، والكسائي: "لا يخفى" بالياء . وقرأ الباقون بالتاء . والمعنى: لا يخفى عليه (منكم خافية) أي: نفس خافية، أو فعلة خافية . وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال، ومعاذير وأما الثالثة، فعندها تتطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، وكان عمر بن الخطاب يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ لا تخفى منكم خافية .

(فيقول هاؤم) قال الزجاج: "هاؤم" أمر من الجماعة . بمنزلة هاكم . تقول للواحد: ها يا رجل، وللاثنين: هاؤما يا رجلان . وللثلاثة: هاؤم يا رجال .

[ ص: 352 ] قال المفسرون: إنما يقول هذا ثقة بسلامته وسرورا بنجاته . وذكر مقاتل أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد .

قوله تعالى: إني ظننت أي: علمت وأيقنت في الدنيا "أني ملاق حسابيه" أي: أبعث، وأحاسب في الآخرة (فهو في عيشة) أي: حالة من العيش "راضية" قال الفراء: أي: فيها الرضى .

وقال الزجاج: أي: ذات رضى يرضاها من يعيش فيها . وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز مرضية "في جنة عالية" أي: عالية المنازل "قطوفها" أي: ثمارها "دانية" أي: قريبة ممن يتناولها، وهي جمع قطف . والقطف: ما يقطف من الثمار . قال البراء بن عازب: يتناول الثمرة وهو نائم .

قوله تعالى: كلوا أي: يقال لهم: كلوا "واشربوا هنيئا بما أسلفتم" أي: قدمتم من الأعمال الصالحة في "الأيام الخالية" الماضية، وهي أيام الدنيا . (وأما من أوتي كتابه بشماله) قال مقاتل: نزلت في الأسود بن عبد الأسود، قتله حمزة ببدر، وهو أخو أبي سلمة . وقيل: نزلت في أبي جهل .

قوله تعالى يا ليتني لم أوت كتابيه وذلك لما يرى فيه من القبائح (ولم أدر ما حسابيه) لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب، إنما كله عليه . وكان ابن مسعود، وقتادة، ويعقوب، يحذفون الهاء من "كتابيه" و"حسابيه" في الوصل . قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاآت، ولا توصل، لأنها أدخلت للوقف . وقد حذفها قوم في الوصل، ولا أحب مخالفة المصحف، وكذلك قوله تعالى: وما أدراك ما هيه [القارعة: 10] .

قوله تعالى: يا ليتها يعني: الموتة التي ماتها في الدنيا (كانت القاضية) [ ص: 353 ] أي: القاطعة للحياة، فكأنه تمنى دوام الموت، وأنه لم يبعث للحساب (هلك عني سلطانيه) فيه قولان .

أحدهما: ضلت عني حجتي، قاله مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي .

والثاني: زال عني ملكي، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: خذوه أي: يقول الله تعالى: خذوه فغلوه أي: اجمعوا يده إلى عنقه (ثم الجحيم صلوه) أي: أدخلوه النار . وقال الزجاج: اجعلوه يصلى النار (ثم في سلسلة) وهي حلق منتظمة (ذرعها سبعون ذراعا) قال ابن عباس: بذراع الملك . وقال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعا، الباع أبعد مما بينك وبين مكة، وكان في رحبة الكوفة . وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا . وقال مقاتل: ذرعها سبعون ذراعا بالذراع الأول . ويقال: إن جميع أهل النار في تلك السلسلة .

قوله تعالى: فاسلكوه أي: أدخلوه . قال الفراء: وذكر أنها تدخل في دبر الكافر فتخرج من رأسه، فذلك سلكه فيها . والمعنى: ثم اسلكوا فيه السلسلة، ولكن العرب تقول: أدخلت رأسي في القلنسوة، وأدخلتها في رأسي . ويقال: الخاتم لا يدخل في يدي، وإنما اليد تدخل في الخاتم، وإنما استجازوا ذلك، لأن معناه معروف .

قوله تعالى: إنه كان لا يؤمن بالله العظيم أي: لا يصدق بوحدانيته وعظمته (ولا يحض على طعام المسكين) أي: لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه [ ص: 354 ] (فليس له اليوم ها هنا حميم) أي: قريب ينفعه، أي: يشفع له (ولا طعام إلا من غسلين) فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه صديد أهل النار، قاله ابن عباس . قال مقاتل: إذا سال القيح، والدم بادروا أكله قبل أن تأكله النار .

والثاني: شجر يأكله أهل النار، قاله الضحاك، والربيع: .

والثالث: أنه غسالة أجوافهم، قاله يحيى بن سلام . قال ابن قتيبة: وهو "فعلين" من "غسلت" كأنه غسالة .

وقوله تعالى: إلا الخاطئون يعني الكافرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث