الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون

جزء التالي صفحة
السابق

وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

القراءة بالميتة على الخفة أشيع ; لسلسها على اللسان . و "أحييناها " استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية ، كذلك نسلخ ، ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل ; لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض وليل بأعيانهما ، فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال ، ونحوه [من الكامل ] :


ولقد أمر على اللئيم يسبني



وقوله : فمنه يأكلون بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ، ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس ، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر ، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء . وقرئ : (وفجرنا ) بالتخفيف والتثقيل ، والفجر والتفجير ، كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى . وقرئ : (ثمره ) بفتحتين وضمتين وضمة وسكون ، والضمير لله تعالى ، والمعنى : ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر "و " من وما عملته أيديهم من [ ص: 177 ] الغرس والسقي والآبار ، وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله ، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه ، وفيه آثار من كد بني آدم ، وأصله من ثمرنا كما قال : وجعلنا ، وفجرنا ، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات ، ويجوز أن يرجع إلى النخيل ، وتترك الأعناب غير مرجوع إليها ; لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره ، ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات ، كما قال رؤبة [من الرجز ] :


فيها خطوط من بياض وبلق     كأنه في الجلد توليع البهق



فقيل له ، فقال : أردت كأن ذاك ، ولك أن تجعل "ما " نافية على أن الثمر خلق الله ، ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه . وقرئ على الوجه الأول ، وما عملت من غير راجع ، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك ، وفى مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير . "الأزواج " الأجناس والأصناف ومما لا يعلمون ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ، ولا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم ، ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقا إلى العلم به ; لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم ، ولو كانت بهم إليه حاجة لأعلمهم بما لا يعلمون ، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسمهم . وفى الحديث : "ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، بله ما أطلعتهم عليه " فأعلمنا بوجوده وإعداده ولم يعلمنا به ما هو ، ونحوه : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة : 17 ] وفى الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه ومما جهلوه ما دل على عظم قدرته واتساع ملكه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث