الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 2679 ) مسألة : قال : ( إلا أن تكون نعامة ، فيكون فيها بدنة ، أو حمامة ، وما أشبهها ، فيكون في كل واحد منها شاة ) [ ص: 274 ] هذا متعلق بقوله : " وإن كان طائرا فداه بقيمته في موضعه " . واستثنى النعامة من الطائر ; لأنها ذات جناحين وتبيض ، فهي كالدجاج والإوز . أوجب فيها بدنة ; لأن عمر ، وعليا ، وعثمان ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، ومعاوية رضي الله عنهم ، حكموا فيها ببدنة . وبه قال عطاء ، ومجاهد ، ومالك ، والشافعي ، وأكثر أهل العلم .

                                                                                                                                            وحكي عن النخعي أن فيها قيمتها . وبه قال أبو حنيفة . وخالفه صاحباه . واتباع النص في قوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } . والآثار أولى ، ولأن النعامة تشبه البعير في خلقته ، فكان مثلا لها ، فتدخل في عموم النص .

                                                                                                                                            وفي الحمام شاة . حكم به عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وابن عباس ، ونافع بن عبد الحارث ، في حمام الحرم ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعطاء ، وعروة ، وقتادة ، والشافعي ، وإسحاق .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة ، ومالك : فيه قيمته . إلا أن مالكا وافق في حمام الحرم لحكم الصحابة ، ففيما عداه يبقى على الأصل . قلنا : روي عن ابن عباس في الحمام حال الإحرام كمذهبنا ، ولأنها حمامة مضمونة لحق الله تعالى ، فضمنت بشاة ، كحمامة الحرم ، ولأنها متى كانت الشاة مثلا لها في الحرم ، فكذلك في الحل ، فيجب ضمانها بها ; لقول الله تعالى { : فجزاء مثل ما قتل من النعم } . وقياس الحمام على الحمام أولى من قياسه على غيره .

                                                                                                                                            وقول الخرقي : " وما أشبهها " . يعني ما يشبه الحمامة ، في أنه يعب الماء ، أي يضع منقاره فيه ، فيكرع كما تكرع الشاة ، ولا يأخذ قطرة قطرة ، كالدجاج ، والعصافير . وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه بها في كرع الماء مثلها ، ولا يشرب مثل شرب بقية الطيور . قال أحمد ، في رواية أبي القاسم وشندي : كل طير يعب الماء ، يشرب مثل الحمام ، ففيه شاة . فيدخل في هذا الفواخت ، والوراشين ، والسقايين والقمري ، والدبسي ، والقطا ; لأن كل واحد من هذه تسميه العرب حماما ، وقد روي عن الكسائي ، أنه قال : كل مطوق حمام . وعلى هذا القول ، الحجل حمام ; لأنه مطوق .

                                                                                                                                            ( 2680 ) فصل : وما كان أكبر من الحمام ، كالحبارى ، والكركي ، والكروان ، والحجل والإوز الكبير من طير الماء ، ففيه وجهان ; أحدهما ، فيه شاة ; لأنه روي عن ابن عباس ، وجابر ، وعطاء ، أنهم قالوا : في الحجلة والقطاة والحبارى شاة شاة . وزاد عطاء : في الكركي والكروان وابن الماء ودجاج الحبش والحرب ، شاة شاة . والحرب : هو فرخ الحبارى . لأن إيجاب الشاة في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر منه . والوجه الثاني ، فيه قيمته ، وهو مذهب الشافعي ; لأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير ، تركناه في الحمام لإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، ففي غيره يرجع إلى الأصل .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية