الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أسباب النقص في الزكاة

جزء التالي صفحة
السابق

ثم شرع في أسباب النقص في الزكاة وهي خمسة : المرض والعيب والذكورة والصغر ورداءة النوع فقال : ( ولا تؤخذ مريضة ولا معيبة ) بما يرد به في البيع وهو عطف عام على خاص لقوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ولخبر { ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المتصدق } ( إلا من مثلها ) بأن تمحضت ماشيته منها ، ولا تؤثر الخنوثة في ابن اللبون وإن كانت في البيع عيبا ; لأن المستحقين شركاء فكانوا كبقية الشركاء فتكفي مريضة متوسطة ومعيبة من الوسط ، فإن اختلف ماله نقصا وكمالا واتحد جنسا أخرج واحدا كاملا أو أكثر برعاية القيمة كأربعين شاة نصفها مراض أو معيب ، وقيمة كل صحيحة ديناران وكل مريضة أو معيبة دينار لزمه صحيحة بدينار ونصف دينار ، وإن لم يكن فيها إلا صحيحة فعليه صحيحة بتسعة وثلاثين جزءا من أربعين جزءا من قيمة مريضة أو معيبة وبجزء من أربعين جزءا من قيمة صحيحة وذلك دينار وربع عشر دينار ، وعلى هذا فقس ، وإذا كان الصحيح من ماشيته دون قدر الواجب كأن وجب شاتان في غنم ليس فيها إلا صحيحة أجزأه صحيحة بالقسط ومريضة .

( ولا ) يؤخذ ( ذكر ) لورود النص بالإناث ( إلا إذا وجب ) كابن اللبون والحق والذكر في الشاة في الإبل فيما مر والتبيع في البقر ( وكذا لو تمحضت ) ماشيته ( ذكورا في الأصح ) كما تؤخذ المريضة والمعيبة من مثلهما ، ولأن في تكليفه التحصيل مشقة عليه كما مر نظيره ، فعلى هذا يؤخذ في ست وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض لئلا يسوى بين النصابين ، ويعرف ذلك بالتقويم والنسبة ، فلو كانت خمس والعشرون إناثا وقيمتها ألف وقيمة بنت المخاض منها مائة ، وبتقدير كونها ذكورا قيمتها خمسمائة وقيمة ابن مخاض [ ص: 58 ] منها خمسون فيجب ابن لبون قيمته خمسون فيجب أن يكون قيمة المأخوذ في ست وثلاثين اثنين وسبعين بنسبة زيادة الست والثلاثين على الخمس والعشرين وهي خمسان وخمس خمس ، ومقابل الأصح لا يجوز إلا الأنثى للتنصيص على الإناث في الحديث .

نعم لو تعدد الواجب وليس عنده إلا أنثى فإنه لم يتمحض ، ومع ذلك يجزئه إخراج ذكر مع الأنثى الموجودة ، وإيراد هذه على عبارة المصنف نظرا إلى أنها لم تتمحض ، وأجزأه إخراج ذكر غير صحيح ; لأن هذه حالة ضرورة نظير ما مر في السليم والمعيب ، ومحل الخلاف في الإبل والبقر ، أما الغنم فالمذهب القطع بإجزاء الذكر ( و ) يؤخذ ( في الصغار صغيرة في الجديد ) لقول أبي بكر رضي الله عنه : والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه . رواه البخاري ،

والعناق هي الصغيرة من الغنم ما لم تجذع ، وتتصور بأن تموت الأمهات وقد تم حولها ، والنتاج صغير أو ملك نصابا من صغار المعز وتم لها حول فيؤخذ من ست وثلاثين فصيلا فصيل فوق المأخوذ من خمس وعشرين ، وفي ست وأربعين فوق المأخوذ من ست وثلاثين ، وعلى هذا فقس ، والقديم لا تؤخذ إلا كبيرة لكن دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة لعموم الأخبار ، ومحل إجزاء الصغير إذا كان من الجنس ، فلو كان من غيره كخمسة أبعرة صغار ، وأخرج الشاة لم يجز إلا ما يجزئ في الكبار ، ذكره في الكفاية ، وتقدم مثله في المريض ، ولو كان بعضها صغارا وبعضها كبارا وجب إخراج كبيرة بالقسط كما مر في نظائره ، وإن كانت في سن فوق سن فرضه لم يكلف الإخراج منها بل له تحصيل السن الواجب ، وله الصعود والنزول في الإبل كما تقدم ( ولا ) تؤخذ ( ربى ) بضم الراء وتشديد الباء الموحدة والقصر وهي الحديثة العهد بالنتاج شاة كانت أو ناقة أو بقرة ، ويطلق عليها هذا الاسم إلى خمسة عشر يوما من ولادتها ، قاله [ ص: 59 ] الأزهري والجوهري إلى شهرين سميت بذلك ; لأنها تربي ولدها ( و ) لا ( أكولة ) وهي بفتح الهمزة وضم الكاف مع التخفيف المسمنة للأكل كما قاله في المحرر ( و ) لا ( حامل ) إذ في أخذها أخذ حيوانين بحيوان ، وألحق بها في الكفاية عن الأصحاب التي طرقها الفحل لغلبة حمل البهائم من مرة واحدة بخلاف الآدميات ، وإنما لم تجز في الأضحية ; لأن مقصودها اللحم ولحمها رديء وهنا مطلق الانتفاع ، وهو بالحامل أكثر لزيادة ثمنها غالبا ، والحمل إنما يكون عيبا في الآدميات ( و ) لا ( خيار ) عام بعد خاص ، ويظهر ضبطه بأن يزيد قيمة بعضها بوصف آخر غير ما ذكر على قيمة كل من الباقيات ، وأنه لا عبرة هنا بزيادة لأجل نحو نطاح ، وأنه إذا وجد وصف من أوصاف الخيار التي ذكروها لا يعتبر معه زيادة قيمة ولا عدمها والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ { إياك وكرائم أموالهم } ولقول عمر رضي الله عنه : ولا تؤخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض : أي الحامل ، ولا فحل الغنم .

نعم لو كانت ماشيته كلها كذلك أخذ منها إلا الحوامل فلا يطالب بحامل منها لما مر كما نقله الإمام عن صاحب التقريب وارتضاه واستحسنه ( إلا برضا المالك ) في الجميع ; لأنه محسن بالزيادة ، قال تعالى { ما على المحسنين من سبيل }

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله ولا ذات عوار ) هو العيب وفتح العين فيه أفصح من ضمها ا هـ عميرة .

وعبارة النهاية : العوار بالفتح العيب وقد يضم ، وفي القاموس : والعوار العيب والخرق في الثوب ، ويثلث في الكل ، وفي المصباح : العوار وزان كلام والضم لغة العيب بالثوب من خرق وشق وغير ذلك ، وبالعين عوار بالضم والتشديد وهو الرمد ( قوله : إلا أن يشاء المتصدق ) راجع للتيس فقط دون ما قبله فإنه لا يؤخذ وإن رضي لما فيه من الإضرار بالفقراء ( قوله : وإن كانت في البيع عيبا ) لم يبين وجهه ، ولعل إجزاءه هنا ; لأنه لا يخلو عن الذكورة ( قوله والأنوثة ) فإن كان أنثى فهو أرقى من بنت المخاض ، وإن كان ذكرا أجزأ عن بنت المخاض ، بخلافه في البيع فإن رغبة المشتري تختلف بالذكورة والأنوثة .

( قوله : ومعيبة من الوسط ) في التعبير به تفنن ( قوله : دون قدر الواجب ) أفهم أنه إذا كان الصحيح بقدر الواجب أو أكثر لا يجزئ إلا الصحاح .

وعليه فلو كان في ماله صحيحتان وواجبه شاتان وجب إخراج صحيحتين برعاية القيمة وهو قريب ، فلو لم توجد صحيحة تفي قيمتها بالواجب مقسطا ، كأن كانت قيمة المريضة أربعين درهما والصحيحة مائة وفي ماله صحيحة واحدة من أربعين ، فقيمة الصحيحة المجزئة أحد وأربعون درهما ونصف درهم أخرج القيمة كما صرح به حج ، وعبارته : ولو انقسمت ماشيته كصغار وكبار وجبت كبيرة بالقسط ، فإن لم توجد به فالقيمة كما مر ، وكذا يقال فيما سبق ( قوله : كابن اللبون والحق ) أي عند فقد بنت المخاض في خمس وعشرين من الإبل ( قوله : والتبيع في البقر ) ظاهره [ ص: 58 ] ولو كانت إناثا ( قوله : فيجب ابن لبون ) قضيته أنها إذا تمحضت ذكورا لا يؤخذ منها ابن المخاض ، وإنما يؤخذ ابن لبون برعاية القيمة ، وهو خلاف ظاهر قول المصنف ، وكذا لو تمحضت ذكورا إلخ .

وفي كلام سم على أبي شجاع ما يفهم منه موافقة ظاهر كلام المصنف وعبارته بعد نقله كلام شرح المنهج بحروفه الموافق لكلام الشارح نصها : والظاهر أنه لا حاجة إلى تقديرها ذكورا ثم إناثا بل الشرط إنما هو زيادة المخرج في الست والثلاثين على أقل ذكر يجزئ في الخمس والعشرين بنسبة زيادة الست والثلاثين على الخمس والعشرين .

نعم يحتاج إليه على الوجه الضعيف المانع من جواز أخذ الذكر ، ولهذا خص المحلي هذا التقدير بذلك الوجه حيث قال إلخ ، قال سم على منهج : لو تمحضت إبله خناثى لم يجز الأخذ منها لاحتمال ذكورته : أي المأخوذ وأنوثتها أو عكسه ، بل تجب أنثى بقيمة واحد منها ا هـ عباب ( قوله : وإيراد هذه ) الإشارة لقوله نعم لو تعدد الواجب ( قوله فالمذهب القطع بإجزاء الذكر ) أي حيث تمحضت ذكورا ، ولعل الفرق بين الغنم وغيرها أن تفاوت القيمة بين ذكرها وأنثاها يسير بخلاف غيرها ، وأما التفاوت بالنظر لفوات الدر والنسل فلم ينظروا إليه لتيسر تحصيل الأنثى بقيمة الذكر .

( قوله : والعناق هي الصغيرة ) أي التي لم تبلغ سنة ( قوله : فيؤخذ من ست وثلاثين ) أي من الإبل وهو تفريع على قوله ويتصور بأن تموت الأمهات ( قوله : كما مر في نظائره ) أي في قوله كأربعين شاة نصفها مراض أو معيب وقيمة كل صحيحة ديناران ( قوله : بل له تحصيل السن الواجب ) ظاهره ولو زادت قيمته على ما عنده وهو ظاهر ; لأنا لم نلزمه بذلك وإنما اختاره لنفسه ( قوله : ولا ربى ) وزنها فعلى بضم الأول والقصر وجمعها ربات ومكسرها رباب [ ص: 59 ] بالكسر ا هـ على منهج .

وقوله شاة كانت أو ناقة أو بقرة زاد حج : وإن اختلف أهل اللغة في إطلاقها على الثلاثة ( قوله : والجوهري إلى شهرين ) أي وقال الجوهري إلخ : قال حج : والذي يظهر أن العبرة بكونها تسمى حديثة عرفا ; لأنه المناسب لنظر الفقهاء ( قوله : ولا حامل ) أي ولو بغير مأكول ا هـ سم ، وظاهره وإن كان غير المأكول نجسا كما لو نزا خنزير على بقرة فحملت منه ، ويوجه بأن في أخذها الاختصاص بما في جوفها ( قوله : التي طرقها الفحل ) وهو المعتمد ومحله إن لم تدل قرينة على أنها لم تحمل منه ( قوله : لغلبة حمل البهائم ) وبقي ما لو دفع حائلا فتبين حملها هل يثبت له الخيار أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول فيستردها ( قوله غير ما ذكر ) أي من الربى والأكولة والحامل ( قوله : ولقول عمر ) فيه إشارة إلى أن ما فيه هذه الأوصاف من الكرائم ( قوله : لما مر كما نقله الإمام ) أي من قوله إذ في أخذها أخذ حيوانين بحيوان ( قوله : إلا برضا المالك ) وينبغي أن محله في الربى إذا استغنى الولد عنها ، وإلا فلا لحرمة التفريق حينئذ



حاشية المغربي

[ ص: 57 ] قوله : وهو عطف عام على خاص ) لا يناسب ما قدمه من عد المرض قسيما للعيب ( قوله عند فقد بنت المخاض ) صوابه ابن المخاض ، وليس هذا في شرح الروض الذي هذه عبارته بالحرف [ ص: 58 ] قوله : ومحل الخلاف في الإبل والبقر ) أي بالنسبة للمسنة في البقر ( قوله بأن تموت الأمهات وقد تم حولها ) الأوضح أن يقول بأن تم حول النتاج المبني حوله على حول أمهاته التي ماتت في أثناء الحول [ ص: 59 ] قوله : ويظهر ضبطه بأن تزيد قيمة بعضها بوصف آخر غير ما ذكر ) لعل هنا سقطا في نسخ الشارح وإلا فهذا لا يلائم كونه من العام بعد الخاص ، وعبارة التحفة : عام بعد خاص ، كذا قيل وهو غير متجه بل هو مغاير ، والمراد وخيار بوصف آخر غير ما ذكر ، وحينئذ فيظهر ضبطه بأن تزيد قيمة بعضها إلى آخر ما في الشارح



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث