الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ثبوت القصاص بالإقرار

جزء التالي صفحة
السابق

باب ثبوت القصاص بالإقرار 3029 - عن وائل بن حجر قال { : إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال : يا رسول الله هذا قتل أخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ [ ص: 40 ] فقال إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة قال : نعم قتلته قال : كيف قتلته قال كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لك من شيء تؤديه عن نفسك قال ما لي مال إلا كسائي وفأسي قال : فترى قومك يشترونك قال أنا أهون على قومي من ذاك فرمى إليه بنسعته وقال دونك صاحبك قال فانطلق به الرجل فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتله فهو مثله فرجع فقال يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك فقال يا نبي الله لعله قال بلى قال فإن ذلك كذلك فرمى بنسعته وخلى سبيله } . رواه مسلم والنسائي وفي رواية قال { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحبشي فقال إن هذا قتل أخي قال كيف قتلته قال ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله قال هل لك مال تؤدي ديته قال لا قال أفرأيت إن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته قال لا قال فمواليك يعطونك ديته قال لا قال للرجل خذه فخرج به ليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه إن قتله كان مثله فبلغ به الرجل حيث سمع قوله فقال هو ذا فمر فيه ما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله يبوء بإثم صاحبه وإثمه فيكون من أصحاب النار } رواه أبو داود هذه الرواية الآخرة سكت عنها أبو داود والمنذري وعزاها إلى مسلم والنسائي ، ولعله باعتبار اتفاقها في المعنى هي والرواية الأولى .

وفي رواية أخرى من حديث وائل بن حجر أخرجها أبو داود والنسائي . قال { كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة ، قال : فدعا ولي المقتول فقال : أتعفو ؟ قال : لا ، قال : أفتأخذ الدية ؟ قال : لا ، قال : أفتقتل ، قال : نعم ، قال : اذهب به فلما كان في الرابعة قال : أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه ، قال : فعفا عنه ، قال : فأنا رأيته يجر النسعة } .

التالي السابق


قوله : ( بنسعة ) بكسر النون وسكون السين بعدها عين مهملة . قال في القاموس : النسع بالكسر : سير ينسج عريضا على هيئة أعنة البغال تشد به الرحال ، والقطعة منه نسعة وسمي نسعا لطوله . الجمع نسع بالضم ونسع بالكسر كعنب وأنساع ونسوع قوله : ( نحتطب ) من الاحتطاب . ووقع في نسخة " نختبط " من الاختباط . قوله : ( إن قتله فهو مثله ) قد استشكل هذا بعد إذنه صلى الله عليه وسلم بالاقتصاص وإقرار القاتل القتل على الصفة المذكورة ، والأولى حمل هذا المطلق على المقيد بأنه لم يرد قتله بذلك الفعل . قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال ابن قتيبة في قوله " إن قتله فهو مثله " لم [ ص: 41 ] يرد أنه مثله في المأثم ، وكيف يريده والقصاص مباح ولكن أحب له العفو فعرض تعريضا أوهمه به أنه إن قتله كان مثله في الإثم ليعفو عنه ، وكان مراده أنه يقتل نفسا كما أن الأول قتل نفسا ، وإن كان الأول ظالما والآخر مقتصا .

وقيل : معناه كان مثله في حكم البواء فصارا متساويين لا فضل للمقتص إذا استوفى على المقتص منه . وقيل : أراد ردعه عن قتله ، لأن القاتل ادعى أنه لم يقصد قتله ، فلو قتله الولي كان في وجوب القود عليه مثله لو ثبت منه قصد القتل ، يدل عليه ما روى أبو هريرة قال : { قتل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع القاتل إلى وليه ، فقال القاتل : يا رسول الله والله ما أردت قتله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار ، فخلاه الرجل وكان مكتوفا بنسعة فخرج يجر نسعته ، قال : فكان يسمى ذا النسعة } رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه انتهى . وأخرج هذا الحديث أيضا النسائي وهو مشتمل على زيادة وهي تقييد الإقرار بأنه لم يرد القتل بذلك الفعل فيتعين قبولها ويحمل المطلق على المقيد كما تقدم فيكون عدم قصد القتل موجبا لكون القتل خطأ ولكنه يشكل على قول من قال : إن عدم قصد القتل إنما يصير القتل من جنس الخطإ إذا كان بما مثله لا يقتل في العادة لا إذا كان مثله يقتل في العادة فإنه يكون عمدا وإن لم يقصد به القتل ، وإلى هذا ذهبت الهادوية والحديث يرد عليهم . لا يقال : الحديث مشكل من جهة أخرى وهي أنه صلى الله عليه وسلم أذن لولي المجني عليه بالاقتصاص ولو كان القتل خطأ لم يأذن له بذلك إذ لا قصاص في قتل الخطإ إجماعا كما حكاه صاحب البحر وهو صريح القرآن والسنة ; لأنا نقول : لم يمنعه صلى الله عليه وسلم من الاقتصاص بمجرد تلك الدعوى لاحتمال أن يكون المدعي كاذبا فيها بل حكم على القاتل بما هو ظاهر الشرع ، ورهب ولي الدم عن القود بما ذكره معلقا لذلك على صدقه .

قوله : ( أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ) أما كون القاتل يبوء بإثم المقتول فظاهر ، وأما كونه يبوء بإثم وليه فلأنه لما قتل قريبه وفرق بينه وبينه كان جانيا عليه جناية شديدة لما جرت به عادة البشر من التألم لفقد القريب والتأسف على فراق الحبيب ، ولا سيما إذا كان ذلك بقتله ، ولا شك أن ذلك ذنب شديد ينضم إلى ذنب القتل ، فإذا عفا ولي الدم عن القاتل كانت ظلامته بقتل قريبه وإحراج صدره باقية في عنق القاتل فينتصف منه يوم القيامة بوضع ما يساويها من ذنوبه عليه فيبوء بإثمه قوله : ( قال يا نبي الله لعله ) أي لعله أن لا يبوء بإثمي وإثم صاحبي ، فقال صلى الله عليه وسلم : بلى ، يعني بلى يبوء بذلك ، وأما قوله في الرواية الأخرى : " بإثم صاحبه وإثمه " فلا إشكال فيه ، وهو مثل ما حكاه الله في القرآن عن ابن آدم حيث قال : { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } والمراد بالبواء الاحتمال . قال في القاموس : وبذنبه بوأ وبواء : احتمله أو اعترف [ ص: 42 ] به ودمه بدمه عدله وبفلان قتل به فقاومه انتهى . وقد استدل المصنف رحمه اللهبحديث وائل بن حجر على أنه يثبت القصاص على الجاني بإقراره وهو مما لا أحفظ فيه خلافا إذا كان الإقرار صحيحا متجردا عن الموانع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث