الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخصيصة الخامسة الولاء وفيه طرفان

جزء التالي صفحة
السابق

الخصيصة الخامسة : الولاء ، وفيه طرفان .

الأول : في سببه ، وهو زوال الملك عن رقيق بالحرية ، فمن أعتق عبدا تنجيزا ، أو بصفة ، أو دبره ، أو استولدها ، فعتقا بموته ، أو عتق عليه بأداء نجوم الكتابة ، أو الإبراء منها ، أو التمس من مالك عبد عتقه على مال ، فأجابه ، أو أعتق نصيبه من مشترك ، وسرى ، أو ملك قريبه فعتق عليه ، ثبت له عليه الولاء .

ولو باع عبد نفسه ، فله عليه الولاء على المذهب ، وسواء اتفق دينهما أو اختلف . فلو أعتق مسلم كافرا أو عكسه ، ثبت الولاء ، وإن لم يتوارثا ، كما تثبت علقة النكاح والنسب بينهما . ثم الولاء مختص بالإعتاق ، فمن أسلم على يديه إنسان فلا ولاء له عليه ، ومن أعتق عن غيره بغير إذنه ، وقع العتق عن المعتق عنه ، وله الولاء دون المعتق . والولاء كالنسب لا يجوز بيعه ، ولا هبته ، ولا يورث ، لكن يورث به .

ولو أعتق عبدا على أن لا ولاء له عليه ، أو على أن يكون سائبة ، لغا الشرط ، وثبت الولاء ، وكذا لو شرط أن ولاءه لفلان أو للمسلمين ، لغا ، ولا ينتقل الولاء عنه ، كما لا ينتقل النسب ، ولا يثبت الولاء بالموالاة والحلف ، كما لا يثبت النسب بذلك ، وكما يثبت الولاء على المعتق ، يثبت على أولاده وأحفاده ، وعلى عتيقه وعتيق عتيقه ، وكما يثبت للمعتق يثبت لمعتق الأب وسائر الأصول ، ولمعتق المعتق ، وكما يثبت على ولده العتيق ، يثبت على ولد العتيقة ، ويستثنى من استرسال الولاء على أولاد [ ص: 171 ] العتيق وأحفاده موضعان : أحدهما : إذا كان منهم من مسه رق وأعتق ، فولاؤه لمعتقه ، فإن لم يكن ، فلعصبات معتقه ، فإن لم يوجدوا ، فالميراث لبيت المال ، ولا ولاء عليه لمعتق الأصول بحال ، فإنه أعتق مباشرة ، وولاء المباشرة أقوى . وصورتهم أن تلد رقيقة رقيقا من رقيق أو حر ، وأعتق الولد وأبواه أو أمه .

الثاني : من أبوه حر أصلي لا ولاء عليه ، وأمه معتقة ، هل يثبت عليه الولاء لموالي الأم ؟ فيه أوجه . الصحيح : لا ، والثاني : نعم ، والثالث : إن كانت حرية الأب متيقنة ، بأن كان عربيا معلوم النسب ، فلا ، وإن كانت مبنية على ظاهر الدار ، وأن الأصل في الناس الحرية ، فنعم ، لضعف حرية الأب ، ولو كان الأب معتقا ، والأم حرة أصلية ، فالصحيح ثبوت الولاء عليه لموالي الأب ; لأنه ينسب إليه . وقيل : لا ولاء عليه تغليبا للحرية كعكسه . ومن له أمه حرة أصلية وأبوه رقيق لا ولاء عليه لأحد ، فإن أعتق الأب ، فهل يثبت عليه لموالي الأب ؟ قال الشيخ أبو علي : فيه جوابان سمعتهما من شيخي في وقتين ، وهما محتملان ، أحدهما : نعم ، لثبوته على الأب ، وإنما لم تثبت أولا لرقه . والثاني : لا ; لأنه لم يثبت ابتداء ، فلا يثبت بعده ، كما لو كان أبواه حرين .

فرع

من مسه رق وعتق ، فلا ولاء عليه لمعتق أبيه وأمه وسائر أصوله كما سبق ، سواء وجدوا في الحال أم لا ، فالمباشر إعتاقه ولاؤه لمعتقه ، ثم لعصبته ، فأما إذا كان حر الأصل ، وأبواه عتيقين ، أو أبوه عتيق ، فولاؤه لمولى أبيه ، وإن كان الأب رقيقا ، والأم معتقة ، فالولاء لمعتقها ، فإن مات والأب رقيق بعد ، ورثه معتق الأم ، وإن أعتق الأب في حياة [ ص: 172 ] الولد ؛ انجر الولاء من مولى الأم إلى مولى الأب . ولو مات الأب رقيقا ، وعتق الجد ، انجر من موالي الأم إلى موالي الجد ولو عتق الجد ، والأب رقيق ، ففي انجراره إلى مولى الجد - وجهان . أصحهما : ينجر ، فإن أعتق الأب بعد ذلك ، انجر من مولى الجد إلى مولى الأب ، والثاني : لا ينجر ، فعلى هذا لو مات الأب بعد عتق الجد ، ففي انجراره إلى موالي الجد وجهان . أصحهما عند الشيخ أبي علي : لا ينجر ، وقطع البغوي بالانجرار .

قلت : الانجرار أقوى . والله أعلم .

وإذا ثبت الولاء لموالي الأم لرق الأب ، فاشترى الولد أباه ، ثبت له الولاء عليه ، وعلى إخوته وأخواته الذين هم أولاد الأب ، وهل يجر ولاء نفسه من مولى الأم ؟ وجهان ، الأصح المنصوص : لا ; لأنه لا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء ، ولهذا لو اشترى العبد نفسه ، عتق وكان الولاء عليه لبائعه ، وكذا المكاتب إذا عتق بالأداء ، وإذا تعذر الجر ، بقي الولاء موضعه . والثاني : ينجر ، ويسقط ، ويصير كحر لا ولاء عليه . ولو خلق إنسان حر من حرين ، وكان في أحد أجداده رقيق . ويتصور ذلك في نكاح الغرور ، وفي الوطء بشبهة إذا أعتقت أم أمه ، ثبت الولاء عليه لمعتق أم الأم ، فإذا أعتق أبو أمه بعد ذلك ، انجر الولاء إلى مولاه ، فإذا أعتقت أم الأب بعد ذلك ، انجر الولاء من مولى أبي الأم إلى مولى أم الأب ، فإذا أعتق أبو أبيه بعد ذلك ، انجر إلى مولاه . ولو كانت المسألة بحالها لكن أبوه رقيق ، [ ص: 173 ] فأعتق الأب بعد عتق هؤلاء ، انجر إلى مولاه ، واستقر عليه . ودليله أن جهة الأبوة أقوى ، وحيث أثبتنا الولاء لمولى الأم ، فمات الولد ، أخذ ميراثه ، فإن عتق بعد ذلك ، لم يسترده مولاه ، بل الاعتبار بحال الموت ، وليس معنى الانجرار أن يحكم بأن الولاء لم يزل في جانب الأب ، بل معناه أنه ينقطع من وقت عتق الأب عن مولى الأم ، وإذا انجر إلى موالي الأب ، فلم يبق منهم أحد ، لم يعد إلى موالي الأم ، بل يكون الميراث لبيت المال ، وكذا إذا ثبت الولاء لموالي الأب فهلكوا ، لم يصر لموالي الجد ، حتى لو مات من انتقل ولاؤه من موالي أبيه إلى موالي جده حينئذ فميراثه لبيت المال .

فرع

أعتق أمته المزوجة بعتيق ، فولدت لأقل من ستة أشهر من يوم الإعتاق ، فولاء الولد لمعتق الأم ، لا لمعتق الأب ، لأنا تيقنا وجوده يوم الإعتاق ، فمعتقه باشر إعتاقه بإعتاقها ، وولاء المباشرة مقدم ، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا ، فإن كان الزوج يفترشها ، فولاؤه لمعتق الأب ، لأنا لا نعلم وجوده يوم الإعتاق ، والأصل عدمه ، والافتراش سبب ظاهر للحدوث ، وإن كان لا يفترشها ، وولدت لأربع سنين من الإعتاق ، فذلك . وإن ولدت لأقل من أربع سنين فقولان . أظهرهما : لمعتق الأم . ولو أعتق المزوجة برقيق ، فولدت لدون ستة أشهر من الإعتاق ، فولاؤه لمعتق الأم بالمباشرة ، فإن أعتق الأب الأب ، لم ينجر الولاء إلى معتق الأب من معتق الأم ; لأنه أعتقه مباشرة . وإن ولدته لستة أشهر فصاعدا ، قال البغوي : إن لم يفارقها الزوج ، [ ص: 174 ] فولاؤه لمولى الأم ، فإذا أعتق الأب ، انجر إلى مولاه ، وإن كان فارقها ، فإن ولدت لأكثر من أربع سنين من يوم الفراق ، فالولد منفي عن الزوج ، وولاؤه لمعتق الأم أبدا ، وإن ولدته لأربع سنين ، لحق الزوج ، وولاؤه لمعتق الأم ، فإذا أعتق الأب ، ففي الانجرار إلى مولاه قولان .

ولو نفى الزوج المعتق ولد زوجته المعتقة بلعان ، فالولاء في الظاهر لمولى الأم ، فإن كذب الملاعن نفسه ، لحقه الولد وحكمنا بأن الولاء لمولاه . فإن كان الولد قد مات بعد اللعان ، ودفعنا الميراث إلى مولى الأم ، استرددناه منه بعد الاستلحاق ، لأنا تبينا أنه لم يكن ولاء . ولو غر بحرية أمة فنكحها وأولدها على ظن أنها حرة ، ثم علم أنها أمة ، فأولدها ولدا آخر ، فالولد الأول حر ، والثاني رقيق . فلو أعتق السيد الأمة ، والولد الثاني ، ثم عتق الأب ، انجر ولاء الولد الأول إلى معتق الأب ، ولم ينجر إليه ولاء الثاني ، لأنه عتق بالمباشرة . ولو نكحها عالما بأنها أمة ، وأولدها ، ثم عتقت ، وأولدها ولدا آخر ، فالثاني حر ، وولاؤه لمعتق الأب ، والأول مملوك ، وولاؤه لمعتقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث