الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              1823 9 - باب ما يلبس المحرم

                                                              114 \ 1749 - عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال : لا يلبس القميص، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، إلا لمن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين .

                                                              وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه .

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة:

                                                              الحكم الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس وهو غير محصور، فأجاب بما لا يلبس لحصره. فعلم أن غيره على الإباحة ونبه بالقميص على ما فصل للبدن كله، من جبة أو دلق أو دراعة أو عرقشين ونحوه.

                                                              ونبه بالعمامة [ ص: 344 ] على كل ساتر للرأس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة والكلتة ونحوها، ونبه بالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعا، كالغفارة ونحوها.

                                                              ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل، كالتبان ونحوه. ونبه بالخفين على ما في معناهما، من الجرموق والجورب والزربول ذي الساق ونحوه.

                                                              الحكم الثاني: أنه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران، وليس هذا لكونه طيبا، فإن الطيب في غير الورس والزعفران أشد، ولأنه خصه بالثوب دون البدن.

                                                              وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه، ألا يكون مصبوغا بورس ولا زعفران،وقد نهي أن يتزعفر الرجل، وهذا منهي عنه خارج الإحرام، وفي الإحرام أشد. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض هنا إلا [ ص: 345 ] لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام.

                                                              الحكم الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الخفين عند عدم النعلين ولم يذكر فدية، ورخص في حديث كعب بن عجرة في حلق رأسه مع الفدية، وكلاهما محظور بدون العذر.

                                                              والفرق بينهما: أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعم، فهي رفاهية للحاجة.

                                                              وأما لبس الخفين عند عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل، والمبدل - وهو النعل - لا فدية فيه، فلا فدية في بدله، وأما حلق الرأس فليس ببدل، وإنما هو ترفه للحاجة، فجبر بالدم.

                                                              الحكم الرابع: أنه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه، في حديث ابن عمر، لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا القطع، هل هو واجب أم لا ؟ على قولين:

                                                              أحدهما: أنه واجب، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعهما، وتعجب الخطابي من أحمد فقال: العجب من أحمد في هذا ! فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت سنة لم تبلغه. وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية.

                                                              والثاني: أن القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ويروى عن علي بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس، وعطاء، [ ص: 346 ] وعكرمة.

                                                              وهذه الرواية أصح، لما في "الصحيحين" عن ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين . فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.

                                                              وفي "صحيح مسلم "عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل ، فهذا كلام مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم، بين فيه في عرفات - في أعظم جمع كان له - ، أن من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة، ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع؛ فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأن الذي شرع بالمدينة هو الخف المقطوع، ثم شرع بعرفات الخف من غير قطع.

                                                              فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد: وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في [ ص: 347 ] حديث ابن عمر بالقطع.

                                                              فالجواب من وجهين:

                                                              أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما" قد قيل: إنه مدرج من كلام نافع. قال صاحب "المغني": "كذلك روي في "أمالي أبي القاسم بن بشران" بإسناد صحيح: أن نافعا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخفين أسفل من الكعبين ، والإدراج فيه محتمل، لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحا به أن نافعا قاله زال الإشكال.

                                                              ويدل على صحة هذا: أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع .

                                                              الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمرو بن دينار روى الحديثين معا ثم قال: "انظروا أيهما كان قبل" وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.

                                                              [ ص: 348 ] وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل، لأنه قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكره، وابن عباس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات .

                                                              فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج، وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم "بعرفات" غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.

                                                              قيل: هذا عنت، فإن هذه اللفظة متفق عليها في "الصحيحين"، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد، ولهذا رواه الشيخان.

                                                              وقد قال علي رضي الله عنه: قطع الخفين فساد ، يلبسهما كما هما . وهذا مقتضى القياس فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما.

                                                              ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند [ ص: 349 ] عدم الإزار، فكذلك الخف يلبس ولا يقطع، ولا فرق بينهما، وأبو حنيفة طرد القياس وقال: تفتق السراويل، حتى تصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السراويل لمن لم يجد الإزار وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز.

                                                              ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النص فما تقدم تقديره. والعجب أن من يوجب القطع يوجب ما لا فائدة فيه، فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه. فأي معنى للقطع، والمقطوع عندكم كالصحيح ؟!

                                                              وأما أبو حنيفة رحمه الله فيجوز لبس المقطوع، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما.

                                                              قال شيخنا: وأفتى به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج: قال شيخنا: وهو الصحيح، لأن المقطوع لبسه أصل لا بدل.

                                                              قال شيخنا: فأبو حنيفة رحمه الله فهم من حديث ابن عمر أن المقطوع [ ص: 350 ] لبسه أصل لا بدل، فجوز لبسه مطلقا، وهذا فهم صحيح، وقوله في هذا أصح من قول الثلاثة. والثلاثة فهموا منه الرخصة في لبس السراويل عند عدم الإزار والخف عند عدم النعل، وهذا فهم صحيح، وقولهم في هذا أصح من قوله.

                                                              وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحا بلا قطع عند عدم النعل، وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح، وقوله في ذلك أصح الأقوال.

                                                              فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلا، لم يكن عدم النعل شرطا فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جعله عند عدم النعل.

                                                              قيل: بل الحديث دليل على أنه ليس كالخف، إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه، فدل على أن بقطعه يخرج من شبه الخف، ويلتحق بالنعل.

                                                              وأما جعله عدم النعل شرطا فلأجل أن القطع إفساد لصورته وماليته، وهذا لا يصار إليه إلا عند عدم النعل، وأما مع وجود النعل فلا يفسد الخف ويعدم ماليته، فإذا تبين هذا تبين أن المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف، كما قال أبو حنيفة، وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه، فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع، وهو عندهم كالخف.

                                                              فإن قيل: فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار، وهذا يفيد الجواز، وأما سقوط الفدية فلا، فهلا قلتم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفاد الجواز من هذا الحديث، واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة، حيث جوز له [ ص: 351 ] فعل المحظور مع الفدية، فكان أسعد بالنصوص وموافقتها منكم، مع موافقته لابن عمر في ذلك.

                                                              قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر البدل في حديث ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة، ولم يأمر في شيء منها بالفدية، مع الحاجة إلى بيانها، وتأخير البيان عن وقته ممتنع، فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه - لو كان واجبا - دليل على عدم الوجوب، كما أنه جوز لبس السراويل بلا فتق، ولو كان الفتق واجبا لبينه.

                                                              وأما القياس فضعيف جدا؛ فإن مثل هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مبدلاتها، كالتراب عند عدم الماء، وكالصيام عند العجز [عن] الإعتاق والإطعام، وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره، وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية.

                                                              والفرق بينهما: أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم، ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه، فالحاجة إلى ذلك عامة، ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم، ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإن ذلك حاجة لعارض، ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في اللباس مطلقا بلا فدية، ونهى عن النقاب والقفازين، فإن المرأة لما كانت كلها عورة، وهي محتاجة إلى ستر بدنها، لم [ ص: 352 ] يكن عليها في ستر بدنها فدية، وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف هي عامة، إذا لم يجدوا الإزار والنعال، وابن عمر لما لم يبلغه حديث الرخصة مطلقا أخذ بحديث القطع، وكان يأمر النساء بقطع الخفاف، حتى أخبرته بعد هذا صفية زوجته عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للنساء في ذلك ، فرجع عن قوله.

                                                              ومما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في الخفين بلا قطع، بعد أن منع منهما: أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقا، ولم يبين فيه حالة من حالة، وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخرين ترخيصه في لبس السراويل عند عدم الإزار، فدل على أن رخصة البدل لم تكن شرعت في لبس السراويل، وأنها إنما شرعت وقت خطبته بها، وهي متأخرة، فكان الأخذ بالمتأخر أولى، لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                                              فمدار المسألة على ثلاث نكت: إحداها: أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات لم تشرع قبل. والثانية: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والثالثة: أن المقطوع كالنعل أصل، لا أنه بدل. والله أعلم.




                                                              الخدمات العلمية