الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              3356 [ ص: 599 ] باب في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله، وصبره على أذى المنافقين

                                                                                                                              وقال النووي : ( باب ما لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من أذى المشركين والمنافقين) .

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 157 - 159 جـ 12 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [ عن عروة ، أن أسامة بن زيد أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية . وأردف وراءه أسامة ، وهو يعود سعد بن عبادة ، في بني الحارث بن الخزرج . وذاك قبل وقعة بدر . حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان ، واليهود . فيهم عبد الله بن أبي ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة . فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا . فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم . ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن . فقال عبد الله بن أبي : أيها المرء ! لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقا . فلا تؤذنا في مجالسنا . وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه .

                                                                                                                              فقال عبد الله بن رواحة : اغشنا في مجالسنا؛ فإنا نحب ذلك، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا . [ ص: 600 ] فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال " أي سعد ! ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب ؟ (يريد: عبد الله بن أبي) قال كذا وكذا " قال: اعف عنه يا رسول الله! واصفح . فوالله ! لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة . فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك. فذلك فعل به ما رأيت . فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم
                                                                                                                              ]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أسامة بن زيد) رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم ركب حمارا عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية. وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة) .

                                                                                                                              فيه: جواز الإرداف على الحمار وغيره من الدواب، إذا كان مطيقا. وفيه: جواز العيادة راكبا.

                                                                                                                              وفيه: أن ركوب الحمار، ليس بنقص في حق الكبار.

                                                                                                                              (في بني الحارث بن خزرج . وذلك قبل وقعة بدر. حتى مر بمجلس، فيه أخلاط من المسلمين، والمشركين عبدة الأوثان، [ ص: 601 ] واليهود. فيهم عبد الله بن أبي. وفي المجلس: عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة) . هو ما ارتفع من غبار حوافرها. (خمر عبد الله بن أبي أنفه) أي: غطاه (بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم) .

                                                                                                                              فيه: جواز الابتداء بالسلام، على قوم فيهم مسلمون وكفار.

                                                                                                                              قال النووي : وهذا مجمع عليه.

                                                                                                                              (ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن.

                                                                                                                              فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء ! لا أحسن من هذا) .

                                                                                                                              قال النووي : هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، بألف " في أحسن " أي: ليس شيء أحسن من هذا. وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم. قال: ووقع للقاضي أبي علي: " لأحسن من هذا " بالقصر من غير ألف. قال القاضي: وهو عندي أظهر. وتقديره: أحسن من هذا، أن تقعد في بيتك ولا تأتينا.

                                                                                                                              (إن كان ما تقول حقا. فلا تؤذنا في مجالسنا. وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة) رضي الله عنه: (اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. قال: فاستب المسلمون والمشركون [ ص: 602 ] واليهود، حتى هموا أن يتواثبوا. فلم يزل النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم يخفضهم) أي: يسكنهم، ويسهل الأمر بينهم.

                                                                                                                              (ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: " أي سعد ! ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب ؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا " قال: اعف عنه، يا رسول الله ! واصفح. فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه "البحيرة" بضم الباء على التصغير. قال عياض : وروينا في غير مسلم: " البحيرة " مكبرة. وكلاهما بمعنى. وأصلها: القرية. والمراد بها هنا: " مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ".

                                                                                                                              (أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة) .

                                                                                                                              معناه: اتفقوا على أن يجعلوه ملكهم. وكان من عادتهم (إذا ملكوا إنسانا) أن يتوجوه ويعصبوه.

                                                                                                                              (فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك) بكسر الراء. أي: غص. ومعناه: حسد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكان ذلك بسبب نفاقه. عافانا الله الكريم.

                                                                                                                              (فذلك الذي فعل به ما رأيت. فعفا عنه النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم) .

                                                                                                                              [ ص: 603 ] وزاد في رواية أخرى: " وذلك قبل أن يسلم عبد الله ". أي: قبل أن يظهر الإسلام. وإلا، فقد كان كافرا، منافقا ظاهر النفاق.

                                                                                                                              وفي هذا الحديث: بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ من الحلم، والصفح، والصبر على الأذى في الله تعالى، ودوام الدعاء إلى الله تعالى، وتألف قلوبهم. والله أعلم.




                                                                                                                              الخدمات العلمية