الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          2200 - مسألة : ميراث المرتد ؟ قال أبو محمد رحمه الله : اختلف الناس في ميراثه : فقالت طائفة : هو لورثته من المسلمين : كما أنا محمد بن سعيد بن نبات أنا أحمد بن عبد البصير أنا قاسم بن أصبغ أنا محمد بن عبد السلام الخشني أنا محمد بن المثنى أنا موسى بن مسعود أبو حذيفة أنا سفيان عن سماك بن حرب عن دثار بن يزيد بن عبيد بن الأبرص الأسدي أن علي بن أبي طالب قال : ميراث المرتد لولده .

                                                                                                                                                                                          وعن الأعمش عن الشيباني قال : أتي علي بن أبي طالب بشيخ كان نصرانيا فأسلم ، ثم ارتد عن الإسلام ، فقال له علي : لعلك إنما ارتددت ، لأن تصيب ميراثا ثم ترجع إلى الإسلام ، قال : لا ، قال : فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها فأردت أن تزوجها ثم تعود إلى الإسلام ، قال : لا ، قال : فارجع إلى الإسلام ؟ قال : لا ، حتى ألقى المسيح ؟ فأمر به فضربت عنقه ، فدفع ميراثه إلى ولده من المسلمين - وعن ابن مسعود بمثله .

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة بهذا ، منهم : الليث بن سعد ، وإسحاق بن راهويه .

                                                                                                                                                                                          وقال الأوزاعي : إن قتل في أرض الإسلام فماله لورثته من المسلمين . [ ص: 122 ]

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة : إن كان له وارث على دينه فهو أحق به ، وإلا فماله لورثته من المسلمين : كما روينا من طريق عبد الرزاق عن إسحاق بن راشد أن عمر بن عبد العزيز كتب في رجل من المسلمين أسر فتنصر إذا علم ذلك ترث منه امرأته ، وتعتد ثلاثة قروء ، ودفع ماله إلى ورثته من المسلمين لا أعلمه ، قال : إلا أن يكون له وارث على دينه في أرض فهو أحق به .

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة : ميراثه لأهل دينه فقط : كما روينا من طريق عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة قال : ميراث المرتد لأهل دينه .

                                                                                                                                                                                          قال عبد الرزاق : أنبأنا ابن جريج قال : الناس فريقان ، منهم من يقول : ميراث المرتد للمسلمين ، لأنه ساعة يكفر يوقف ، فلا يقدر منه على شيء حتى ينظر أيسلم أم يكفر ؟ منهم النخعي : والشعبي ، والحكم بن عتيبة - وفريق يقول : لأهل دينه . وقالت طائفة : إن راجع الإسلام فماله له ، وإن قتل فماله لبيت مال المسلمين لا لورثته من الكفار - قال بهذا ربيعة ، ومالك ، وابن أبي ليلى ، والشافعي .

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة : إن راجع الإسلام فماله له ، وإن قتل فماله لورثته من الكفار - قال بهذا أبو سليمان ، وأصحابنا .

                                                                                                                                                                                          وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن قتل المرتد فماله لورثته من المسلمين ، وترثه زوجته كسائر ورثته ، وإن فر ولحق بأرض الحرب وترك ماله عندنا فإن القاضي يقضي بذلك ، ويعتق أمهات أولاده ومدبره ويقسم ماله بين ورثته من المسلمين على كتاب الله تعالى ، فإن جاء مسلما أخذ من ماله ما وجد في أيدي ورثته ، ولا ضمان عليهم فيما استهلكوه ، هذا فيما كان بيده قبل الردة - وأما ما اكتسبه في حال ردته ثم قتل أو مات فهو فيء للمسلمين .

                                                                                                                                                                                          وقالت طائفة : مال المرتد ساعة يرتد لجميع المسلمين - قتل ، أو مات ، أو لحق بأرض الحرب ، أو راجع الإسلام - كل ذلك سواء .

                                                                                                                                                                                          وهو قول بعض أصحاب مالك ، ذكر ذلك ابن شعبان عنه ، وأشهب .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رحمه الله : فلما اختلفوا نظرنا في ذلك ، فكان الثابت عن رسول [ ص: 123 ] الله صلى الله عليه وسلم من أنه لا يرث المسلم الكافر : مانعا من توريث ولد المرتد - وهم مسلمون - مال أبيهم المرتد ، لأنه كافر وهم مسلمون - أنا بهذا الحديث جماعة ، ومن جملتهم : ما أناه عبد الله بن ربيع أنا محمد بن إسحاق بن السليم أنا ابن الأعرابي أنا أبو داود أنا مسدد أنا سفيان عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم } .

                                                                                                                                                                                          هذا عموم منه عليه السلام لم يخص منه مرتد من غيره { وما كان ربك نسيا } ولو أراد الله أن يخص المرتد من ذلك لما أغفله ، ولا أهمله ، بل قد حض الله تعالى على أن المرتد من جملة الكفار بقوله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } .

                                                                                                                                                                                          فسقط هذا القول جملة - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية