الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة

ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم إشارة إلى برهان لمي للحكم السابق، كما أن سواء عليهم إلخ على تقدير كونه اعتراضا برهان إني، فالختم والتغشية مسببان عن نفس الكفر، واقتراف المعاصي سببان للاستمرار على عدم الإيمان، أو لاستواء الإنذار وعدمه، فالقطع لأنه سؤال عن سبب الحكم، والختم الوسم بطابع، ونحوه، والأثر الحاصل، ويتجوز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء، والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، وتارة في تحصيل أثر عن أثر اعتبارا بالنقش الحاصل، وتارة يعتبر معه بلوغ الآخر، ومنه ختمت القرآن، والغشاوة على ما عليه السبعة بكسر الغين [ ص: 132 ] المجمعة من غشاه إذا غطاه، قال أبو علي : ولم يسمع منه فعل إلا يائي، فالواو مبدلة من الياء عنده، أو يقال: لعل له مادتين، وفعالة عند الزجاج لما اشتمل على شيء، كاللفافة، ومنه أسماء الصناعات كالخياطة لاشتمالها على ما فيها، وكذلك ما استولى على شيء، كالخلافة، وعند الراغب : هي لما يفعل به الفعل كاللف في اللفافة، فإن استعملت في غيره فعلى التشبيه، وبعضهم فرق بين ما فيه هاء التأنيث وبين ما ليس فيه، فالأول اسم لما يفعل به الشيء، كالآلة نحو حزام، وإمام، والثاني لما يشتمل على الشيء، ويحيط به، وحمل الظاهريون الختم والتغشية على حقيقتهما، وفوضوا الكيفية إلى علم من لا كيفية له سبحانه، وروي عن مجاهد أنه قال : إذا أذنب العبد ضم من القلب هكذا، وضم الخنصر، ثم إذا أذنب ضم هكذا، وضم البنصر، وهكذا إلى الإبهام، ثم قال : وهذا هو الختم والطبع والرين، وهو عندي غير معقول، والذي ذهب إليه المحققون أن الختم استعير من ضرب الخاتم على نحو الأواني لإحداث هيئة في القلب والسمع مانعة من نفوذ الحق إليهما، كما يمنع نقش الخاتم تلك الظروف من نفوذ ما هو بصدد الانصباب فيها، فيكون استعارة محسوس لمعقول بجامع عقلي، وهو الاشتمال على منع القابل عما من شأنه أن يقبله، ثم اشتق من الختم ختم، ففيه استعارة تصريحية تبعية، وأما الغشاوة، فقد استعيرت من معناها الأصلي لحالة في أبصارهم مقتضية لعدم إجتلائها الآيات، والجامع ما ذكر، فهناك استعارة تصريحية أصلية أو تبعية إذا أولت الغشاوة بمشتق، أو جعلت اسم آلة على ما قيل، ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن يقال: شبهت حال قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مع الهيئة الحادثة فيها المانعة من الاستنفاع بها بحال أشياء معدة للانتفاع بها في مصالح مهمة مع المنع من ذلك بالختم والتغطية، ثم يستعار للمشبه اللفظ الدال على المشبه به، فيكون كل واحد من طرفي التشبيه مركبا، والجامع عدم الانتفاع بما أعد له، بسبب عروض مانع يمكن فيه، كالمانع الأصلي، وهو أمر عقلي منتزع من تلك العدة، ثم إن إسناد الختم إليه عز وجل باعتبار الخلق، والذم، والتشنيع الذي تشير إليه الآية باعتبار كون ذلك مسببا عما كسبه الكفار من المعاصي كما يدل عليه قوله تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم وإلا أشكل التشنيع والذم على ما ليس فعلهم، كذا قاله مفسرو أهل السنة عن آخرهم فيما أعلم، والمعتزلة لما رأوا أن الآية يلزم منها أن يكون سبحانه مانعا عن قبول الحق وسماعه بالختم، وهو قبيح يمتنع صدوره عنه تعالى على قاعدتهم التزموا للآية تأويلات، ذكر الزمخشري جملة منها حتى قال : الشيطان هو الخاتم في الحقيقة، أو الكافر، إلا أن الله سبحانه وتعالى لما كان هو الذي أقدره أو مكنه أسند الختم إليه، كما يسند إلى السبب نحو: بنى الأمير المدينة، وناقة حلوب، وأنا أقول : إن ماهيات الممكنات معلومة له سبحانه أزلا، فهي متميزة في أنفسها تميزا ذاتيا غير مجعول لتوقف العلم بها على ذلك التميز، وإن لها استعدادات ذاتية غير مجعولة أيضا، مختلفة الاقتضاءات، والعلم الإلهي متعلق بها كاشف لها، على ما هي عليه، في أنفسها من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتيح الغيب، التي لا يعلمها إلا هو، واختلاف مقتضيات تلك الاستعدادات، فإذا تعلق العلم [ ص: 133 ] الإلهي بها على ما هي عليه مما يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين الخير والشر تعلقت الإرادة الإلهية بهذا الذي اختاره العبد بمقتضى استعداده، فيصير مراده بعد تعلق الإرادة الإلهية مرادا لله تعالى، فاختياره الأزلي بمقتضى استعداده متبوع للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحكمة، وإن اختياره فيما لا يزال تابع للإرادة الأزلية المتعلقة باختياره لما اختاره، فالعباد منساقون إلى أن يفعلوا ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر، وليسوا مجبورين في اختيارهم الأزلي، لأنه سابق الرتبة على تعلق العلم السابق على تعلق الإرادة، والجبر تبع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الذي هو هنا اختيارهم الأزلي، فيمتنع أن يكون تابعا لما هو متأخر عنه بمراتب، فما من شيء يبرزه الله تعالى بمقتضى الحكمة ويفيضه على الممكنات إلا وهو مطلوبها بلسان استعدادها، وما حرمها سبحانه شيئا من ذلك، كما يشير إليه قوله تعالى : أعطى كل شيء خلقه أي الثابت له في الأزل مما يقتضيه استعداده الغير المجعول، وإن كانت الصور الوجودية الحادثة مجعولة، وقوله تعالى : فألهمها فجورها وتقواها أي الثابتين لها في نفس الأمر، والكل من حيث إنه خلقه حسن لكونه بارزا بمقتضى الحكمة من صانع مطلق لا حاكم عليه، ولهذا قال عز شأنه: أحسن كل شيء خلقه و ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت أي من حيث إنه مضاف إليه ومفاض منه، وإن تفاوت من جهة أخرى، وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض، فعلى هذا يكون الختم منه سبحانه وتعالى دليلا على سواء استعدادهم الثابت في علمه الأزلي الغير المجعول، بل هذا الختم الذي هو من مقتضيات الاستعداد لم يكن من الله تعالى إلا إيجاده، وإظهار يقينه طبق ما علمه فيهم أزلا، حيث لا جعل ، وما ظلمهم الله تعالى في إظهاره إذ من صفته سبحانه إفاضة الوجود على القوابل بحسب القابليات على ما تقتضيه الحكمة، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون حيث كانت مستعدة بذاتها لذلك، فحينئذ يظهر أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الإيجاد حقيقة، ويحسن الذم لهم به من حيث دلالته على سوء الاستعداد وقبح ما انطوت عليه ذواتهم في ذلك الناد والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا وأما ما ذكره المفسرون من أن إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الخلق فمسلم، لا كلام لنا فيه، وأما إن الذم باعتبار كون ذلك مسببا عما كسبه الكفار إلخ، فنقول فيه : إن أرادوا بالكسب ما شاع عند الأشاعرة من مقارنة الفعل لقدرة العبد من غير تأثير لها فيه أصلا، وإنما المؤثر هو الله تعالى، فهو مع مخالفته لمعنى الكسب، وكونه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا لا يشفي عليلا، ولا يروي غليلا، إذ للخصم أن يقول: أي معنى لذم العبد بشيء لا مدخل لقدرته فيه، إلا كمدخل اليد الشلاء فيما فعلته الأيدي السليمة، وحينئذ يتأتى ما قاله الصاحب بن عباد في هذا الباب : كيف يأمر الله تعالى العبد بالإيمان، وقد منعه منه، وينهاه عن الكفر، وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان، ثم يقول: أنى يصرفون ويخلق فيهم الإفك ثم يقول: أنى يؤفكون وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول لم تكفرون؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: لم تلبسون الحق بالباطل وصدهم عن السبيل ثم يقول: لم تصدون عن سبيل الله، وحال بينهم وبين الإيمان، ثم قال: وماذا عليهم لو آمنوا وذهب بهم عن الرشد، ثم قال: وأين تذهبون، وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا، ثم قال: فما لهم عن التذكرة معرضين !! فإن أجابوا بأن لله أن يفعل ما يشاء، ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قلنا لهم : هذه كلمة حق أريد بها باطل، وروضة صدق، ولكن ليس لكم منها حاصل، لأن كونه تعالى لا يسأل عما يفعل ليس إلا لأنه حكيم لا يفعل ما عنه يسأل، وإذا قلتم: لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها، كما لا أثر للعلم في معلومه فوجه مطالبة [ ص: 134 ] العبد بأفعاله كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألوانا وإدراكات، وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرائع العظام، ورد ما ورد عن النبيين عليهم الصلاة والسلام، وإن أرادوا بالكسب فعل العبد استقلالا ما يريده هو، وإن لم يرده الله تعالى، فهذا مذهب المعتزلة ، وفيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة، واقتحام ورطات الضلال، وسلوك مهامه الوبال.


مساو لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق

وإن أرادوا به تحصيل العبد بقدرته الحادثة حسب استعداده الأزلي المؤثرة لا مستقلا، بل بإذن الله تعالى ما تعلقت به من الأفعال الاختيارية مشيئته التابعة لمشيئة الله تعالى على ما أشرنا إليه، فنعمت الإرادة وحبذا السلوك في هذه الجادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطها، وإقامة الأدلة على صحتها، وإماطة الأذى عن طريقها، إلا أن أشاعرتنا اليوم لا يشعرون، وإنهم ليحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولبئس ما كانوا يصنعون.


ما في الديار أخو وجد نطارحه     حديث نجد ولا خل نجاريه

وأما ما ذكره المعتزلة لا سيما علامتهم الزمخشري فليس أول عشواء خبطوها، وفي مهواة من الأهواء أهبطوها، ولكم نزلوا عن منصة الإيمان بالنص إلى حضيض تأويله ابتغاء الفتنة، واستيفاء لما كتب عليهم من المحنة، وطالما استوخموا من السنة المناهل العذاب، ووردوا من حميم البدعة موارد العذاب، والشبهة التي تدندن هنا حول الحمى أن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله تعالى لما نعاها على عباده، ولا عاقبهم بها، ولا قامت حجة الله تعالى عليهم، وهي أوهى من بيت العنكبوت، وإنه لأوهن البيوت، وقد علمت جوابها مما قدمناه لك، وليكن على ذكر منك، على أنا نرجع فنقول: إن أسندوا الملازمة وكذلك يفعلون، إلى قاعدة التحسين والتقبيح، وقالوا: معاقبة الإنسان مثلا بفعل غيره قبيحة في الشاهد، لا سيما إذا كانت من الفاعل، فيلزم طرد ذلك غائبا، قيل: ويقبح في الشاهد أيضا أن يمكن الإنسان عبده من القبائح والفواحش بمرأى ومسمع، ثم يعاقبه على ذلك مع القدرة على ردعه ورده من الأول عنها، وأنتم تقولون: إن القدرة التي بها يخلق العبد الفواحش لنفسه مخلوقة لله تعالى على علم منه عز وجل، أن العبد يخلق بها لنفسه ذلك، فهو بمثابة إعطاء سيف باتر لفاجر يعلم أنه يقطع به السبيل ويسبي به الحريم، وذلك في الشاهد قبيح جزما، فإن قالوا: ثم حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، فرقت بين الغائب والشاهد، فحسن من الغائب ذلك التمكين ولم يحسن في الشاهد، (قلنا على سبيل التنزل، والموافقة لبعض الناس) ما المانع أن تكون تلك الأفعال مخلوقة لله تعالى، ويعاقب العبد عليها لمصلحة وحكمة استأثر بها كما فرغتم منه الآن حذو القذة بالقذة؟ على أن في كون الخاتم في الحقيقة هو الشيطان مما لا يقدم عليه حتى الشيطان، ألا تسمعه كيف قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين فلا حول ولا قوة إلا بالله، وليكن هذا المقدار كافيا في هذا المقام، ولشحرور القلم بعد إن شاء الله تعالى، على كل بانة تغريد بأحسن مقام، (والقلوب) جمع قلب، وهو في الأصل مصدر سمي به الجسم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر، وهو مشرق اللطيفة الإنسانية، ويطلق على نفس اللطيفة النورانية الربانية العالمة التي هي مهبط الأنوار الصمدانية، وبها يكون الإنسان إنسانا، وبها يستعد لاكتساب الأوامر، واجتناب الزواجر، وهي خلاصة تولدت من الروح الروحاني، ويعبر عنها الحكيم بالنفس الناطقة، ولكونها هدف سهام القهر واللطف ومظهر الجمال والجلال ومنشأ البسط والقبض، ومبدأ المحو والصحو، ومنبع الأخلاق المرضية والأحوال الردية، وقلما تستقر على حال، وتستمر على منوال، سميت قلبا، فهي متقلبة في أمره، ومنقلبة [ ص: 135 ] بقضاء الله، وقدره، وفي الحديث: (إن القلب كريشة بأرض فلاة، تقلبها الرياح)، وقد قال الشاعر:

قد سمي القلب قلبا من تقلبه     فاحذر على القلب من قلب وتحويل

وتسمية الجسم المعروف قلبا إذا أمعنت النظر ليس إلا لتقلب هاتيك اللطيفة المشرقة عليه، لأنه العضو الرئيس الذي هو منشأ الحرارة الغريزية الممدة للجسد كله، ويكنى بصلاحه وفساده عن صلاح هاتيك اللطيفة وفسادها، لما بينهما من التعلق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وكأنه لهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وكثير من الناس ذهب إلى أن تلك المضغة هي محل العلم، وقيل: إنه في الدماغ، وقيل: إنه مشترك بينهما، وبني ذلك على إثبات الحواس الباطنة، والكلام فيها مشهور، ومن راجع وجد أنه أدرك أن بين الدماغ والقلب رابطة معنوية، ومراجعة سرية لا ينكرها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن معرفة حقيقة ذلك متعززة كما هي متعذرة، والإشارة إلى كنه ما هنالك على أرباب الحقائق، وأصحاب الدقائق متعسرة، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، والعجز عن درك الإدراك إدراك، والسمع مصدر سمع سمعا وسماعا، ويطلق على قوة مودعة في العصب المفروش أو المبطل في الأذن تدرك بها الأصوات، ويعبر به تارة عن نفس الأذن، وأخرى عن الفعل، نحو إنهم عن السمع لمعزولون والأبصار جمع بصر، وهو في الأصل بمعنى إدراك العين، وإحساسها، ثم تجوز به عن القوة المودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين الواصلتين من الدماغ إلى الحدقتين التي من شأنها إدراك الألوان والأشكال بتفصيل معروف في محله، وعن العين التي هي محله، وشاع هذا حتى صار حقيقة في العرف لتبادره، وهو المناسب للغشاوة لتعلقها بالأعيان، ويناسب الختم ما يناسب الغشاوة، وإنما قدم سبحانه الختم على القلوب هنا لأن الآية تقرير لعدم الإيمان، فناسب تقديم القلوب لأنها محل الإيمان، والسمع والأبصار طرق وآلات له، وهذا بخلاف قوله تعالى: وختم على سمعه وقلبه فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ، ولذا جاءت الفاصلة " أفلا تذكرون " فكان المناسب هناك تقديم السمع، وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدل على شدة الختم في الموضعين، فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى من المنع عنه، وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المتعدي به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا في: مررت بزيد وعمرو، مرور واحد، وفي: مررت بزيد وبعمرو، مروران، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهرا مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال، ووحد السمع مع أنه متعدد في الواقع، ومقتضى الانتظام بالسباق واللحاق أن يجري على نمطهما للاختصار والتفنن مع الإشارة إلى نكتة هي أن مدركاته نوع واحد ومدركاتهما مختلفة، وكثيرا ما يعتبر البلغاء مثل ذلك، وقيل: إن وحدة اللفظ تدل على وحدة مسماه، وهو الحاسة، ووحدتها تدل على قلة مدركاتها في بادئ النظر، فهناك دلالة التزام، ويكفي مثل ما ذكر في اللزوم عرفا، ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة الأبصار قلة، وإن كان ذلك هو المعروف في استعمال الفقهاء في جميعها على أن الأسماع قلما قرع السمع، ومنه قراءة ابن أبي عبلة في الشواذ (وعلى أسماعهم)، واستشهد له بقوله [ ص: 136 ]

قالت ولم تقصد لقيل الخنا     مهلا لقد أبلغت أسماعي

والقول بأنه وحدة للأمن عن اللبس كما في قوله:

كلوا في بعض بطنكم تعفوا     فإن زمانكم زمن خميص

ولأنه في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع، فروعي ذلك ليس بشيء، لأن ما ذكر مصحح لا مرجح، وأدنى من هذا عندي تقدير مضاف مثل: (وحواس سمعهم)، وقد اتفق القراء على الوقف على (سمعهم)، وظاهره دليل على أنه لا تعلق له بما بعده، فهو معطوف على (على قلوبهم) وهذا أولى من كونه هو، وما عطف عليه خبرا مقدما، لغشاوة أو عاملان فيه على التنازع، وإن احتملته الآية لتعين نظيره في قوله تعالى: وختم على سمعه وقلبه والقرآن يفسر بعضه بعضا، ولأن السمع كالقلب يدرك ما يدركه من جميع الجهات فناسب أن يقرن معه بالختم الذي يمنع من جميعها، وإن اختص وقوعه بجانب، إلا أنه لا يتعين، ولما كان إدراك البصر لا يكون عادة إلا بالمحاذاة والمقابلة جعل المانع ما يمنع منها، وهو الغشاوة، لأنها في الغالب كذلك، كغاشية السرج، ومثل هذا يكفي في النكات، ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار، وما في الكشف من أن الوجه أن الغشاوة مشهورة في أمراض العين، فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه، يكشف عن حاله النظر في المعنى اللغوي ممن لا غشاوة على بصره، ولعل سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات الست مثله دون البصر ومن هنا قيل: إنه أفضل منه، والحق أن كلا من الحواس ضروري في موضعه، ومن فقد حسا فقد علما، وتفضيل البعض على البعض تطويل من غير طائل، وقد قرئ بإمالة (أبصارهم) ووجه الإمالة مع أن الصاد حرف مستعل وهو مناف لها لاقتضائها لتسفل الصوت، مناسبة الكسرة، واعتبرت على الراء دون غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق، والمشهور عند أهل العربية أن ذلك لقوة الراء لئلا يقع التقرير، فإنه مضر في الأداء حتى سمعت من بعض الشافعية أن من كرر الراء في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، والعهدة على الراوي، والجمهور على أن (على أبصارهم) خبر مقدم لــ(غشاوة)، والتقديم مصحح لجواز الابتداء بالنكرة مع أن فيه مطابقة الجملة قبله، لأنه تقدم الجزء المحكوم به فيها، وهذا كذلك، ففي الآية جملتان خبريتان فعلية دالة على التجدد، واسمية دالة على الثبوت، حتى كأن الغشاوة جبلية فيهم، وكون الجملتين دعائيتين ليس بشيء، وفي تقديم الفعلية إشارة إلى أن ذلك قد وقع، وفرغ منه، ونصب المفضل وأبو حيوة، وإسماعيل بن مسلم (غشاوة)، وقيل: إنه على حذف الجار، وقال أبو حيان : يحتمل أن يكون مصدرا من معنى ختم، لأن معناه غشى وستر، كأنه قيل: تغشية، على سبيل التأكيد، فيكون حينئذ قلوبهم، وسمعهم، وأبصارهم مختوما عليها مغشاة، وقيل: يحتمل أن يكون مفعول ختم، والظروف أحوال، أي ختم غشاوة كائنة على هذه الأمور لئلا يتصرف بها بالرفع والإزالة، وفي كل ما لا يخفى، فقراءة الرفع أولى، وقرئ أيضا بضم الغين، ورفعه، وبفتح الغين ونصبه، وقرئ (غشوة)، بكسر المعجمة مرفوعا، وبفتحها مرفوعا ومنصوبا، و(غشية) بالفتح والرفع، و(عشاوة) بفتح المهملة، والرفع، وجوز فيه الكسر والنصب من الغشا [ ص: 137 ] بالفتح والقصر، وهو الرؤية نهارا لا ليلا، والمعنى أنهم يبصرون إبصار غفلة لا إبصار عبرة، أو أنهم لا يرون آيات الله تعالى في ظلمات كفرهم، ولو زالت أبصروها، وقال الراغب العشا ظلمة تعرض للعين، وعشى عن كذا عمي، قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن فالمعنى حينئذ ظاهر، والتنوين للإشارة إلى نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، ويحتمل أن يكون للتعظيم، أي غشاوة أي غشاوة، وصرح بعضهم بحمله على النوعية، والتعظيم معا كما حمل على التكثير والتعظيم معا في قوله تعالى: فقد كذبت رسل واللام في (لهم) للاستحقاق كما في لهم في الدنيا خزي وفي المغني: لام الاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات، وهنا كذلك، إلا أنه قدم الخبر استحسانا، لأن المبتدأ نكرة موصوفة، ولو أخر جاز كـ " أجل مسمى عنده " ويجوز كما قيل: أن يكون تقديمه للتخصيص، فلا يعذب عذابهم أحد ولا يوثق وثاقهم أحد، وكون اللام للنفع، واستعملت هنا للتهكم، مما لا وجه له، لأنها إنما تقع له في مقابلة (على) في الدعاء، وما يقاربه، ولم يقل به أحد ممن يوثق به هنا، ولا يقال عليهم العذاب، والظاهر أن الجملة مساقة لبيان إصرارهم بأن مشاعرهم ختمت، وإن الشقوة عليهم ختمت، وهي معطوفة على ما قبلها، وليست استئنافا، ولا حالا، وقال السالكوتي: عطف على الذين كفروا، والجامع أن ما سبق بيان حالهم، وهذا بيان ما يستحقونه، أو على خبر إن، والجامع الشركة في المسند إليه مع تناسب مفهوم المسندين، وجعل ذلك لدفع ما يتوهم من عدم استحقاقهم العذاب على كفرهم، لأنه بختم الله تعالى وتغشيته ليس بوجيه كما لا يخفى، والعذاب في الأصل الاستمرار ثم اتسع فيه، فسمي به كل استمرار ألم، واشتقوا منه فقالوا: عذبته أي داومت عليه الألم، قاله أبو حيان ، وعن الخليل، وإليه مال كثير أن أصله المنع، يقال: عذب الفرس إذا امتنع عن العلف، ومنه العذب لمنعه من العطش، ثم توسع فأطلق على كل مؤلم شاق مطلقا، وإن لم يكن مانعا ورادعا، ولهذا كان أعم من النكال، لأنه ما كان رادعا كالعقاب، وقيل: العقاب ما يجازى به كما في الآخرة، وشمل البيان عذاب الأطفال والبهائم وغيرهما، وخص السجاوندي العذاب بإيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب عنده، وقيل: إن العذاب مأخوذ في الأصل من التعذيب، ثم استعمل في الإيلام مطلقا، وأصل التعذيب على ما قيل: إكثار الضرب بعذبة السوط، وقال الراغب : أصله من العذب فعذبته أزلت عذب حياته، على بناء مرضته وقذيته، والتنكير فيه للنوعية أي لهم في الآخرة نوع من العذاب غير متعارف في عذاب الدنيا، وحمله على التعظيم يستدعي حمل ما يستفاد من الوصف على التأكيد، ولا حاجة إليه، والعظيم الكبير، وقيل: فوق الكبير، لأن الكبير يقابله الصغير، والعظيم يقابله الحقير، والحقير دون الصغير، فالصغير والحقير خسيسان، والحقير أخسهما، والعظيم والكبير شريفان، والعظيم أشرفهما، فتوصيف العذاب به أكثر في التهويل من توصيفه بالكبير، كما ذكره الكثير ممن شاع فضله، إذ العادة جارية بأن الأخس يقابل بالأشرف، والخسيس بالشريف، فما يتوهم من أن نقيض الأخص أعم مما لا يلتفت إليه هنا، نعم يشكل على دعوى أن العظيم فوق الكبير قوله عز شأنه في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري) حيث جعل سبحانه الكبرياء مقام الرداء والعظمة مقام الإزار، ومعلوم أن الرداء أرفع من الإزار، فيجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة، ويقال: إن الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا، وأما العظمة فعبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، فالصفة الأولى على هذا ذاتية وأشرف من الثانية، ويمكن أن يجاب على بعد بأن ما ذكروه خاص بما إذا استعمل الكبير والعظيم في غيره تعالى، أو فيما إذا خلا الكلام عن قرينة تقتضي العكس، أو يقال: إنه سبحانه جعل العظمة وهي أشرف من الكبرياء إزارا لقلة العارفين به جل شأنه بهذا العنوان بالنظر إلى العارفين [ ص: 138 ] بعنوان الكبرياء، فلقلة أولئك كانت إزارا، ولكثرة هؤلاء كانت رداءا، وسبحان الكبير العظيم، وذكر الراغب أن أصل عظم الرجل كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير وأجري مجراه محسوسا كان أو معقولا معنى كان أو عينا، والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة، والكبير يقال في المنفصلة، وقد يقال فيها أيضا عظيم، وهو بمعنى كبير كجيش عظيم، وعظم العذاب بالنسبة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل يصح أن يتفاضل العذابان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، وقد تخلل الآخر ما ليس بسواد، وقد ذهب المسلمون إلى أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، وهذه الآية وأمثالها شواهد صدق على ذلك، وقال بعضهم: لا يحسن، وذكروا دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح العقليين، فقالوا: التعذيب ضرر خال عن المنفعة، لأنه سبحانه منزه عن أن ينتفع بشيء، والعبد يتضرر به، ولو سلم انتفاعه، فالله تعالى قادر أن يوصل إليه النفع من غير عذاب، والضرر الخالي عن النفع قبيح بديهة، وأيضا أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقبا للضرر من غير نفع قبيح، فإما أن يقال: لا تكليف، أو تكليف ولا عذاب، وأيضا هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها، وقالوا أيضا هب أنا سلمنا العقاب فمن أين القول بالدوام وأقسى الناس قلبا إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه وعذبه، وبالغ فيه، وواظب عليه لامه كل أحد، وقيل له: إما أن تقتله وتريحه، وإما أن تعفو عنه، فإذا قبح هذا من إنسان يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام؟ وأيضا من تاب من الكفر، ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون، أو يحسن أن يقول في الدنيا ادعوني أستجب لكم، وفي الآخرة لا يجيب دعاءهم إلا اخسئوا فيها ولا تكلمون

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث