الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر رحلته وطلبه وتصانيفه

قال محمد بن أبي حاتم البخاري : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول : حججت ، ورجع أخي بأمي ، وتخلفت في طلب الحديث فلما طعنت في ثمان عشرة ، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم ، وذلك أيام عبيد الله بن موسى .

وصنفت كتاب " التاريخ " إذ ذاك عند قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الليالي المقمرة . وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة ، إلا أني كرهت تطويل الكتاب . [ ص: 401 ] وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي ، فإذا جئت أستحيي أن أسلم عليهم ، فقال لي مؤدب من أهلها : كم كتبت اليوم ؟ فقلت : اثنين ، وأردت بذلك حديثين ، فضحك من حضر المجلس . فقال شيخ منهم : لا تضحكوا ، فلعله يضحك منكم يوما ! ! .

وسمعته يقول : دخلت على الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة ، وبينه وبين آخر اختلاف في حديث ، فلما بصر بي الحميدي قال : قد جاء من يفصل بيننا ، فعرضا علي ، فقضيت للحميدي على من يخالفه ، ولو أن مخالفه أصر على خلافه ، ثم مات على دعواه ، لمات كافرا .

أخبرنا أبو علي بن الخلال ، أخبرنا أبو الفضل الهمداني ، أخبرنا السلفي ، أخبرنا أبو علي البرداني ، وابن الطيوري ، قالا : أخبرنا هناد بن إبراهيم ، أخبرنا محمد بن أحمد غنجار ، أخبرنا خلف بن محمد الخيام ، سمعت الفضل بن إسحاق البزاز ، حدثنا أحمد بن منهال العابد ، حدثنا أبو بكر الأعين قال : كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي ، وما في وجهه شعرة . فقلنا : ابن كم أنت ؟ قال : ابن سبع عشرة سنة .

وقال خلف الخيام : سمعت إبراهيم بن معقل ، سمعت أبا عبد الله يقول : كنت عند إسحاق بن راهويه ، فقال بعض أصحابنا : لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع هذا الكتاب . [ ص: 402 ] وعن . . . . . أن البخاري قال : أخرجت هذا الكتاب من زهاء ستمائة ألف حديث .

أنبأنا المؤمل بن محمد وغيره ، أنبأنا أبو اليمن الكندي ، أخبرنا أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر الخطيب ، حدثنا علي بن محمد العطار بالري ، سمعت أبا الهيثم الكشميهني ، سمعت الفربري يقول : قال لي محمد بن إسماعيل : ما وضعت في كتابي " الصحيح " حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك ، وصليت ركعتين .

أخبرنا ابن الخلال ، أخبرنا الهمداني ، أخبرنا السلفي ، أخبرنا أبو عبد الله الرازي ، حدثنا عبد الله بن الوليد ، أخبرنا أحمد بن الحسن بن بندار ، أخبرنا أبو أحمد بن عدي ، سمعت الحسن بن الحسين البزاز ، سمعت إبراهيم بن معقل ، سمعت البخاري يقول : ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح ، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب .

وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم ، قلت لأبي عبد الله : تحفظ [ ص: 403 ] جميع ما أدخلت في المصنف؟ فقال : لا يخفى علي جميع ما فيه .

وسمعته يقول : صنفت جميع كتبي ثلاث مرات . وسمعته يقول : لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت " التاريخ " ، ولا عرفوه ، ثم قال : صنفته ثلاث مرات .

وسمعته يقول : أخذ إسحاق بن راهويه كتاب " التاريخ " الذي صنفت ، فأدخله على عبد الله بن طاهر ، فقال : أيها الأمير ، ألا أريك سحرا ؟ قال : فنظر فيه عبد الله ، فتعجب ، منه ، وقال لست أفهم تصنيفه .

وقال خلف الخيام : سمعت إسحاق بن أحمد بن خلف : يقول : دخل محمد بن إسماعيل إلى العراق في آخر سنة عشر ومائتين .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت البخاري يقول : دخلت بغداد آخر ثمان مرات ، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل ، فقال لي في آخر ما ودعته : يا أبا عبد الله ، تدع العلم والناس ، وتصير إلى خراسان؟ ! قال : فأنا الآن أذكر قوله . [ ص: 404 ]

وقال أبو عبد الحاكم أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين ، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين ، فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام .

أخبرنا أبو حفص بن القواس ، أخبرنا أبو القاسم بن الحرستاني قراءة عليه سنة تسع وستمائة وأنا حاضر ، أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه ، أخبرنا الحسين بن محمد الخطيب ، أخبرنا محمد بن أحمد الغساني ، حدثني أحمد بن محمد بن آدم ، حدثنا محمد بن يوسف البخاري ، قال : كنت مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة ، فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة .

وقال محمد بن أبي حاتم الوراق : كان أبو عبد الله ، إذا كنت معه في سفر ، يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانا ، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة ، في كل ذلك يأخذ القداحة ، فيوري نارا ، ويسرج ، ثم يخرج أحاديث ، فيعلم عليها .

وقال ابن عدي : سمعت عبد القدوس بن همام يقول : سمعت عدة من المشايخ ، يقولون : حول محمد بن إسماعيل تراجم جامعه بين قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين . [ ص: 405 ]

وقال : . . . . . . سمعت البخاري يقول : صنفت " الصحيح " في ست عشرة سنة ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت هانئ بن النضر يقول : كنا عند محمد بن يوسف -يعني : الفريابي - بالشام ، وكنا نتنزه فعل الشباب في أكل الفرصاد ونحوه ، وكان محمد بن إسماعيل معنا ، وكان لا يزاحمنا في شيء مما نحن فيه ، ويكب على العلم .

وقال محمد : سمعت النجم بن الفضيل يقول : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم ، كأنه يمشي ، ومحمد بن إسماعيل يمشي خلفه ، فكلما رفع النبي -صلى الله عليه وسلم- قدمه ، وضع محمد بن إسماعيل قدمه في المكان الذي رفع النبي -صلى الله عليه وسلم- قدمه . [ ص: 406 ]

وقال سمعت أبا عبد الله يقول : كان شيخ يمر بنا في مجلس الداخلي ، فأخبره بالأحاديث الصحيحة مما يعرض علي ، وأخبره بقولهم ، فإذا هو يقول لي يوما : يا أبا عبد الله ، رئيسنا في أبو جاد ، وقال بلغني أن أبا عبد الله شرب دواء الحفظ يقال له : بلاذر ، فقلت له يوما خلوة : هل من دواء يشربه الرجل ، فينتفع به للحفظ ؟ فقال : لا أعلم ، ثم أقبل علي ، وقال لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ، ومداومة النظر .

قال : وذاك أني كنت بنيسابور مقيما ، فكان ترد إلي من بخارى كتب ، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن في الكتب ، فكنت أكتب كتابا إلى بخارى ، وأردت أن أقرئهن سلامي ، فذهب علي أساميهن حين كتبت كتابي ، ولم أقرئهن سلامي ، وما أقل ما يذهب عني من العلم ، وقال : سمعته يقول : لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء . كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث ، إن كان الرجل فهما . فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته . فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون ، وكيف يكتبون .

وقال سمعت العباس الدوري يقول : ما رأيت أحدا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل ، كان لا يدع أصلا ولا فرعا إلا قلعه . ثم قال لنا : لا تدعوا من كلامه شيئا إلا كتبتموه .

وقال : كتب إلى أبي عبد الله بعض السلاطين في حاجة له ، ودعا له دعاء كثيرا . فكتب إليه أبو عبد الله : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : وصل إلي كتابك وفهمته ، وفي بيته يؤتى [ ص: 407 ] الحكم والسلام .

وقال : سمعت إبراهيم الخواص ، مستملي صدقة ، يقول رأيت أبا زرعة كالصبي جالسا بين يدي محمد بن إسماعيل ، يسأله عن علل الحديث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث