الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ثناء الأئمة عليه

قال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم : سمعت بعض أصحابي يقول : [ ص: 417 ] كنت عند محمد بن سلام ، فدخل عليه محمد بن إسماعيل ، فلما خرج قال محمد بن سلام : كلما دخل علي هذا الصبي تحيرت ، وألبس علي أمر الحديث وغيره . ولا أزال خائفا ما لم يخرج .

قال أبو جعفر : سمعت أبا عمر سليم بن مجاهد يقول : كنت عند محمد بن سلام البيكندي ، فقال : لو جئت قبل لرأيت صبيا يحفظ سبعين ألف حديث . قال : فخرجت في طلبه حتى لحقته . قال : أنت الذي يقول : إنى أحفظ سبعين ألف حديث ؟ قال : نعم ، وأكثر . ولا أجيئك بحديث من الصحابة والتابعين إلا عرفتك مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم ، ولست أروي حديثا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصل أحفظه حفظا عن كتاب الله ، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو جعفر : حدثني بعض أصحابي : أن أبا عبد الله البخاري صار إلى أبي إسحاق السرماري عائدا ، فلما خرج من عنده قال أبو إسحاق : من أراد أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه ، فلينظر إلى محمد بن إسماعيل وأجلسه على حجره .

وقال أبو جعفر : قال لي بعض أصحابي : كنت عند محمد بن [ ص: 418 ] سلام ، فدخل عليه محمد بن إسماعيل حين قدم من العراق ، فأخبره بمحنة الناس ، وما صنع ابن حنبل وغيره من الأمور . فلما خرج من عنده قال محمد بن سلام لمن حضره : أترون البكر أشد حياء من هذا ؟ .

وقال أبو جعفر : سمعت يحيى بن جعفر يقول : لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت ، فإن موتي يكون موت رجل واحد ، وموته ذهاب العلم .

قال : وسمعت يحيى بن جعفر-وهو البيكندي- يقول لمحمد بن إسماعيل : لولا أنت ما استطبت العيش ببخارى .

وقال : سمعت محمد بن يوسف يقول : كنا عند أبي رجاء ، هو قتيبة ، فسئل عن طلاق السكران ، فقال : هذا أحمد بن حنبل وابن المديني وابن راهويه قد ساقهم الله إليك ، وأشار إلى محمد بن إسماعيل . وكان مذهب محمد أنه إذا كان مغلوب العقل حتى لا يذكر ما يحدث في سكره ، أنه لا يجوز عليه من أمره شيء .

قال محمد : وسمعت عبد الله بن سعيد بن جعفر يقول : لما مات أحمد بن حرب النيسابوري ركب محمد وإسحاق يشيعان جنازته . فكنت أسمع أهل المعرفة بنيسابور ينظرون ، ويقولون : محمد أفقه من إسحاق . [ ص: 419 ]

وقال : سمعت عمر بن حفص الأشقر ، سمعت عبدان يقول : ما رأيت بعيني شابا أبصر من هذا ، وأشار بيده إلى محمد بن إسماعيل .

وقال : سمعت صالح بن مسمار المروزي يقول : سمعت نعيم بن حماد يقول : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة .

وقال : سمعت إبراهيم بن خالد المروزي ، يقول : قال مسدد : لا تختاروا على محمد بن إسماعيل ، يا أهل خراسان .

وقال : سمعت موسى بن قريش يقول : قال عبد الله بن يوسف للبخاري : يا أبا عبد الله ، انظر في كتبي ، وأخبرني بما فيه من السقط ، قال : نعم .

وقال محمد : حدثني محمد بن إسماعيل ، قال : كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول : بين لنا غلط شعبة .

قال : وسمعته يقول : اجتمع أصحاب الحديث ، فسألوني أن أكلم إسماعيل بن أبي أويس ليزيدهم في القراءة ، ففعلت ، فدعا إسماعيل الجارية ، وأمرها أن تخرج صرة دنانير ، وقال : يا أبا عبد الله ، فرقها عليهم .

قلت : إنما أرادوا الحديث . قال : قد أجبتك إلى ما طلبت من الزيادة ، غير أني أحب أن يضم هذا إلى ذاك ليظهر أثرك فيهم . [ ص: 420 ]

وقال : حدثني حاشد بن إسماعيل قال : لما قدم محمد بن إسماعيل على سليمان بن حرب نظر إليه سليمان ، فقال : هذا يكون له يوما صوت .

وقال خلف الخيام : حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلف ، سمعت أحمد بن عبد السلام : قال : ذكرنا قول البخاري لعلي بن المديني -يعني : ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي بن المديني - فقال علي : دعوا هذا ، فإن محمد بن إسماعيل لم ير مثل نفسه .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت أبا عبد الله يقول : ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث ، فقلت : لا أعرفه ، فسروا بذلك ، وصاروا إلى عمرو ، فأخبروه ، فقال : حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت حاشد بن عبد الله يقول : قال لي أبو مصعب الزهري : محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر [ بالحديث ] من أحمد بن حنبل . فقيل له : جاوزت الحد . فقال للرجل : لو أدركت مالكا ، ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل ، لقلت : كلاهما واحد في الفقه والحديث . [ ص: 421 ]

قال : وسمعت حاشد بن إسماعيل يقول : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : اكتبوا عن هذا الشاب -يعني : البخاري - فلو كان في زمن الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه .

قال : وسمعت علي بن حجر يقول : أخرجت خراسان ثلاثة : أبو زرعة ، ومحمد بن إسماعيل ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي . ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم .

قال : وأوردت على علي بن حجر كتاب أبي عبد الله ، فلما قرأه قال : كيف خلفت ذلك الكبش ؟ فقلت : بخير . فقال : لا أعلم مثله .

وقال أحمد بن الضوء : سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان : ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل .

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل .

وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي : سمعت بندارا محمد بن بشار سنة ثمان وعشرين ومائتين يقول : ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل . [ ص: 422 ]

وقال حاشد بن إسماعيل : كنت بالبصرة ، فسمعت قدوم محمد بن إسماعيل ، فلما قدم قال بندار : اليوم دخل سيد الفقهاء .

وقال محمد : سمعت أبا عبد الله . يقول : قال لي محمد بن بشار : إن ثوبي لا يمس جلدي مثلا ، ما لم ترجع إلي ، أخاف أن تجد في حديثي شيئا يسقمني . فإذا رجعت فنظرت في حديثي طابت نفسي ، وأمنت مما أخاف .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت إبراهيم بن خالد المروزي ، يقول : رأيت أبا عمار الحسين بن حريث يثني على أبي عبد الله البخاري ، ويقول : لا أعلم أني رأيت مثله ، كأنه لم يخلق إلا للحديث .

وقال محمد : سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول : دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ، ورأيت علماءها ، كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم .

وقال : سمعت محمد بن يوسف يقول : لما دخلت البصرة صرت إلى بندار ، فقال لي : من أين أنت؟ قلت : من خراسان . قال : من أيها ؟ قلت : من بخارى ، قال : تعرف محمد بن إسماعيل ؟ قلت : أنا من قرابته . فكان بعد ذلك يرفعني فوق الناس . [ ص: 423 ]

قال محمد : وسمعت محمد بن إسماعيل يقول : لما دخلت البصرة صرت إلى مجلس بندار ، فلما وقع بصره علي ، قال : من أين الفتى ؟ قلت : من أهل بخارى فقال لي : كيف تركت أبا عبد الله ؟ فأمسكت ، فقالوا له : يرحمك الله هو أبو عبد الله ، فقام ، وأخذ بيدي ، وعانقني ، وقال : مرحبا بمن أفتخر به منذ سنين .

قال : وسمعت حاشد بن إسماعيل ، سمعت محمد بن بشار يقول : لم يدخل البصرة رجل أعلم بالحديث من أخينا أبي عبد الله . قال : فلما أراد الخروج ودعه محمد بن بشار ، وقال : يا أبا عبد الله ، موعدنا الحشر أن لا نلتقي بعد .

وقال أبو قريش محمد بن جمعة الحافظ : سمعت محمد بن بشار : يقول : حفاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة بالري ، والدارمي بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل ببخارى ، ومسلم بنيسابور .

وقال محمد بن عمر بن الأشعث البيكندي : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل ، سمعت أبي يقول : انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان : أبو زرعة الرازي ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ، والحسن بن شجاع البلخي .

قال ابن الأشعث : فحكيت هذا لمحمد بن عقيل البلخي ، فأطرى ذكر ابن شجاع ، فقلت له : لم لم يشتهر ؟ قال : لأنه لم يمتع بالعمر . [ ص: 424 ]

قلت : هذا ابن شجاع : رحل وسمع مكي بن إبراهيم ، وعبيد الله بن موسى ، وأبا مسهر . وتوفي سنة أربع وأربعين .

وقال نصر بن زكريا المروزي : سمعت قتيبة بن سعيد يقول : شباب خراسان أربعة : محمد بن إسماعيل ، وعبد الله بن عبد الرحمن ، يعني الدارمي ، وزكريا بن يحيى اللؤلؤي ، والحسن بن شجاع .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت جعفرا الفربري يقول ، سمعت عبد الله بن منير يقول : أنا من تلاميذ محمد بن إسماعيل ، وهو معلمي ورأيته يكتب عن محمد .

وقال محمد : حدثنا حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد ، سمعت يعقوب بن إبراهيم الدورقي يقول : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة .

عن أبي جعفر المسندي قال : حفاظ زماننا ثلاثة : محمد بن إسماعيل ، وحاشد بن إسماعيل ، ويحيى بن سهل .

وقال محمد : حدثني جعفر بن محمد الفربري قال : خرج رجل من أصحاب عبد الله بن منير ، رحمه الله إلى بخارى في حاجة له . فلما رجع قال له ابن منير : لقيت أبا عبد الله؟ قال : لا . فطرده ، وقال : ما فيك بعد هذا خير . إذ قدمت بخارى ولم تصر إلى أبي عبد الله محمد بن إسماعيل . [ ص: 425 ]

وقال محمد : سمعت إبراهيم بن محمد بن سلام يقول : حضرت أبا بكر بن أبي شيبة ، فرأيت رجلا يقول في مجلسه : ناظر أبو بكر أبا عبد الله في أحاديث سفيان ، فعرف كلها ، ثم أقبل محمد عليه ، فأغرب عليه مائتي حديث . فكان أبو بكر بعد ذلك يقول : ذاك الفتى البازل -والبازل الجمل المسن- إلا أنه يريد هاهنا البصير بالعلم ، الشجاع .

وسمعت إبراهيم بن محمد بن سلام يقول : إن الرتوت من أصحاب الحديث مثل سعيد بن أبي مريم ، ونعيم بن حماد ، والحميدي ، وحجاج بن منهال ، وإسماعيل بن أبي أويس ، والعدني ، والحسن الخلال بمكة ، ومحمد بن ميمون صاحب ابن عيينة ، ومحمد بن العلاء ، والأشج ، وإبراهيم بن المنذر الحزامي ، وإبراهيم بن موسى الفراء ، كانوا يهابون محمد بن إسماعيل ، ويقضون له على أنفسهم في المعرفة والنظر .

وقال محمد : حدثني حاتم بن مالك الوراق ؟ ، قال : سمعت علماء مكة يقولون : محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان .

وقال محمد : سمعت أبي رحمه الله يقول : كان محمد بن إسماعيل يختلف إلى أبي حفص أحمد بن حفص البخاري وهو صغير ، فسمعت أبا [ ص: 426 ] حفص يقول : هذا شاب كيس ، أرجو أن يكون له صيت وذكر .

وقال محمد : سمعت أبا سهل محمودا الشافعي يقول : سمعت أكثر من ثلاثين عالما من علماء مصر ، يقولون : حاجتنا من الدنيا النظر في " تاريخ " محمد بن إسماعيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث