الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر كرمه وسماحته وصفته وغير ذلك

قال محمد بن أبي حاتم : كانت له قطعة أرض يكريها كل سنة بسبعمائة درهم . فكان ذلك المكتري ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين ؛ لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثاء النضيج ، وكان يؤثره على البطيخ أحيانا ، فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانا .

قال : وسمعته يقول : كنت أستغل كل شهر خمسمائة درهم ، فأنفقت كل ذلك في طلب العلم . فقلت : كم بين من ينفق على هذا الوجه ، وبين من كان خلوا من المال ، فجمع وكسب بالعلم ، حتى اجتمع له . فقال أبو عبد الله : وما عند الله خير وأبقى . [ ص: 450 ]

قال : وكنا بفربر ، وكان أبو عبد الله يبني رباطا مما يلي بخارى ، فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك ، وكان ينقل اللبن ، فكنت أقول له : إنك تكفى يا أبا عبد الله ، فيقول : هذا الذي ينفعنا . ثم أخذ ينقل الزنبرات معه ، وكان ذبح لهم بقرة ، فلما أدركت القدور ، دعا الناس إلى الطعام ، وكان بها مائة نفس أو أكثر ، ولم يكن علم أنه يجتمع ما اجتمع ، وكنا أخرجنا معه من فربر خبزا بثلاثة دراهم أو أقل ، فألقينا بين أيديهم ، فأكل جميع من حضر ، وفضلت أرغفة صالحة . وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمناء بدرهم .

قال : وكان أبو عبد الله ربما يأتي عليه النهار ، فلا يأكل فيه رقاقة ، إنما كان يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا . وكان يجتنب توابل القدور مثل الحمص وغيره ، فقال لي يوما شبه المتفرج بصاحبه : يا أبا جعفر ، نحتاج في السنة إلى شيء كثير ، قلت له : قدر كم ؟ قال : أحتاج في السنة إلى أربعة آلاف درهم ، أو خمسة آلاف درهم . قال : وكان يتصدق بالكثير ، يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث ، فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين ، وأقل وأكثر ، من غير أن يشعر بذلك أحد . وكان لا يفارقه كيسه . ورأيته ناول رجلا مرارا صرة فيها ثلاثمائة درهم ، -وذلك أن الرجل أخبرني بعدد ما كان فيها من بعد- فأراد أن يدعو ، فقال له أبو عبد الله : ارفق ، واشتغل بحديث آخر كيلا يعلم بذلك أحد .

قال : وكنت اشتريت منزلا بتسعمائة وعشرين درهما ، فقال : لي [ ص: 451 ] إليك حاجة تقضيها ؟ قلت : نعم ، ونعمى عين ، قال : ينبغي أن تصير إلى نوح بن أبي شداد الصيرفي ، وتأخذ منه ألف درهم ، وتحمله إلي ، ففعلت ، فقال لي : خذه إليك ، فاصرفه في ثمن المنزل . فقلت : قد قبلته منك وشكرته . وأقبلنا على الكتابة ، وكنا في تصنيف " الجامع " . فلما كان بعد ساعة ، قلت : عرضت لي حاجة لا أجترئ رفعها إليك ، فظن أني طمعت في الزيادة ، فقال : لا تحتشمني ، وأخبرني بما تحتاج ، فإني أخاف أن أكون مأخوذا بسببك ، قلت له : كيف ؟ قال : لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- آخى بين أصحابه . فذكر حديث سعد وعبد الرحمن . فقلت له : قد جعلتك في حل من جميع ما تقول ، ووهبت لك المال الذي عرضته علي ، عنيت المناصفة . وذلك أنه قال : لي جوار وامرأة ، وأنت عزب ، فالذي يجب علي أن أناصفك لنستوي في المال وغيره ، وأربح عليك في ذلك ، فقلت له : قد فعلت -رحمك الله- أكثر من ذلك إذ أنزلتني من نفسك ما لم تنزل أحدا ، وحللت منك محل الولد ، ثم حفظ علي حديثي الأول ، وقال : ما حاجتك ؟ قلت : تقضيها ؟ . قال : نعم ، وأسر بذلك . قلت : هذه الألف ، تأمر بقبوله ، واصرفه في بعض ما تحتاج إليه ، فقبله ، وذلك أنه ضمن لي قضاء حاجتي . ثم جلسنا بعد ذلك بيومين لتصنيف " الجامع " ، وكتبنا منه ذلك اليوم شيئا كثيرا إلى الظهر ، ثم صلينا الظهر ، وأقبلنا على الكتابة من غير أن نكون أكلنا شيئا ، فرآني لما كان قرب العصر شبه القلق المستوحش ، فتوهم في ملالا . وإنما كان بي الحصر غير أني لم أكن أقدر على القيام ، وكنت أتلوى اهتماما بالحصر . فدخل أبو عبد الله المنزل ، وأخرج إلي كاغدة فيها ثلاثمائة درهم ، وقال : أما إذ لم تقبل ثمن المنزل ، فينبغي أن تصرف هذا في بعض حوائجك . فجهدني ، فلم أقبل . ثم كان بعد أيام ، كتبنا إلى الظهر أيضا ، فناولني [ ص: 452 ] عشرين درهما . فقال : ينبغي أن تصرف هذه في شراء الخضر ونحو ذلك . فاشتريت بها ما كنت أعلم أنه يلائمه ، وبعثت به إليه ، وأتيت . فقال لي : بيض الله وجهك ، ليس فيك حيلة ، فلا ينبغي لنا أن نعني أنفسنا . فقلت له : إنك قد جمعت خير الدنيا والآخرة ، فأي رجل يبر خادمه بمثل ما تبرني إن كنت لا أعرف هذا ، فلست أعرف أكثر منه .

سمعت عبد الله بن محمد الصارفي يقول : كنت عند أبي عبد الله في منزله ، فجاءته جارية ، وأرادت دخول المنزل ، فعثرت على محبرة بين يديه ، فقال لها : كيف تمشين ؟ قالت : إذا لم يكن طريق ، كيف أمشي ؟ فبسط يديه ، وقال لها : اذهبي فقد أعتقتك . قال : فقيل له فيما بعد : يا أبا عبد الله ، أغضبتك الجارية ؟ قال : إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت .

وقال عبد الله بن عدي الحافظ : سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول : رأيت محمد بن إسماعيل شيخا نحيف الجسم ، ليس بالطويل ولا بالقصير .

وقال غنجار : حدثنا أحمد بن محمد بن حسين التميمي ، حدثنا أبويعلى التميمي ، سمعت جبريل بن ميكائيل بمصر يقول : سمعت البخاري يقول : لما بلغت خراسان أصبت ببعض بصري ، فعلمني رجل أن أحلق رأسي ، وأغلفه بالخطمي . ففعلت ، فرد الله علي بصري . [ ص: 453 ]

وقال محمد الوراق : دخل أبو عبد الله بفربر الحمام ، وكنت أنا في مشلح الحمام ، أتعاهد عليه ثيابه . فلما خرج ناولته ثيابه ، فلبسها ، ثم ناولته الخف ، فقال : مسست شيئا فيه شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- . فقلت : في أي موضع هو من الخف؟ فلم يخبرني . فتوهمت أنه في ساقه بين الظهارة والبطانة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث