الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر قصته مع محمد بن يحيى الذهلي رحمهما الله

قال الحاكم أبو عبد الله : سمعت محمد بن حامد البزاز قال : سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول : سمعت محمد بن يحيى قال لنا لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور : اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه . فذهب الناس إليه ، وأقبلوا على السماع منه ، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى ، فحسده بعد ذلك ، وتكلم فيه .

وقال أبو أحمد بن عدي . ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور اجتمع الناس عليه ، حسده بعض من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه ، واجتماعهم عليه ، فقال لأصحاب الحديث : إن محمد بن إسماعيل يقول : اللفظ بالقرآن مخلوق ، فامتحنوه في المجلس . فلما حضر الناس مجلس البخاري ، قام إليه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول في اللفظ بالقرآن ، مخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه . فقال الرجل : يا أبا عبد الله ، فأعاد عليه القول ، فأعرض عنه . ثم قال في الثالثة ، فالتفت إليه البخاري ، وقال : [ ص: 454 ] القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة . فشغب الرجل ، وشغب الناس ، وتفرقوا عنه . وقعد البخاري في منزله .

أنبأنا المسلم بن محمد القيسي وغيره قالوا : أخبرنا زيد بن الحسن ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، أخبرنا أحمد بن علي الخطيب ، أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب أبو بكر البرقاني ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار ، حدثني محمد بن مسلم خشنام قال : سئل محمد بن إسماعيل بنيسابور عن اللفظ ، فقال : حدثني عبيد الله بن سعيد-يعني أبا قدامة - عن يحيى بن سعيد هو القطان قال : أعمال العباد كلها مخلوقة . فمرقوا عليه ، وقالوا له بعد ذلك : ترجع عن هذا القول ، حتى نعود إليك ؟ قال : لا أفعل إلا أن تجيئوا بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي . وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته .

وقال الحاكم : حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الهيثم المطوعي ببخارى ، حدثنا محمد بن يوسف الفربري ، سمعت محمد بن إسماعيل يقول : أما أفعال العباد فمخلوقة . فقد حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا مروان بن معاوية ، حدثنا أبو مالك ، عن ربعي ، عن حذيفة قال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن الله يصنع كل صانع وصنعته .

وبه قال : وسمعت عبيد الله بن سعيد يقول : سمعت يحيى بن سعيد [ ص: 455 ] يقول : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة .

قال البخاري : حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة . فأما القرآن المتلو ، المبين المثبت في المصاحف ، المسور المكتوب ، الموعى في القلوب ، فهو كلام الله ليس بمخلوق . قال الله تعالى : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم .

وقال أبو حامد الأعمشي : رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ، ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث ، ويمر فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم . فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى : ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا ، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلم في اللفظ ، ونهيناه ، فلم ينته ، فلا تقربوه ، ومن يقربه فلا يقربنا . فأقام محمد بن إسماعيل هاهنا مدة ، ثم خرج إلى بخارى .

وقال أبو حامد بن الشرقي : سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول : [ ص: 456 ] القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته ، وحيث تصرف ، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر ، وخرج عن الإيمان ، وبانت منه امرأته ، يستتاب ، فإن تاب ، وإلا ضربت عنقه ، وجعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابرهم ، ومن وقف ، فقال : لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق ، فقد ضاهى الكفر ، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق ، فهذا مبتدع ، لا يجالس ولا يكلم . ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه .

وقال الحاكم : أخبرنا محمد بن أبي الهيثم ببخارى ، أخبرنا الفربري ، حدثنا البخاري ، قال : نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس ، فما رأيت أحدا أضل في كفرهم من الجهمية ، وإني لأستجهل من لا يكفرهم .

وقال غنجار : حدثنا محمد بن أحمد بن حاضر العبسي ، حدثنا الفربري ، سمعت البخاري يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق . ومن قال مخلوق فهو كافر .

وقال الحاكم : حدثنا طاهر بن محمد الوراق ، سمعت محمد بن شاذل يقول : لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ، دخلت على البخاري ، فقلت : يا أبا عبد الله ، أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن [ ص: 457 ] يحيى ، كل من يختلف إليك يطرد ؟ فقال : كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم . والعلم رزق الله يعطيه من يشاء . فقلت : هذه المسألة التي تحكى عنك ؟ قال : يا بني ، هذه مسألة مشؤومة ، رأيت أحمد بن حنبل ، وما ناله في هذه المسألة ، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها .

قلت : المسألة هي أن اللفظ مخلوق ، سئل عنها البخاري ، فوقف فيها ، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة ، واستدل لذلك ، فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ ، فتكلم فيه ، وأخذه بلازم قوله هو وغيره . وقد قال البخاري في الحكاية التي رواها غنجار في " تاريخه " : حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل ، سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول : كنا يوما عند أبي إسحاق القيسي ، ومعنا محمد بن نصر المروزي ، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري ، فقال محمد بن نصر : سمعته يقول : من زعم أني قلت : لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب ، فإني لم أقله . فقلت له : يا أبا عبد الله ، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه . فقال : ليس إلا ما أقول . قال أبو عمرو الخفاف ، فأتيت البخاري ، فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه فقلت : يا أبا عبد الله ، هاهنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة . فقال : يا أبا عمرو ، احفظ ما أقول لك : من زعم من أهل [ ص: 458 ] نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت : لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب . فإني لم أقله ، إلا أني قلت : أفعال العباد مخلوقة .

وقال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالما فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به ، استقبلوه مرحلتين وثلاثة . فقال محمد بن يحيى في مجلسه : من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله . فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء ، فنزل دار البخاريين ، فقال لنا محمد بن يحيى : لا تسألوه عن شيء من الكلام ، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه ، وقع بيننا وبينه ، ثم شمت بنا كل حروري ، وكل رافضي ، وكل جهمي ، وكل مرجئ بخراسان . قال : فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل ، حتى امتلأ السطح والدار ، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث ، قام إليه رجل ، فسأله عن اللفظ بالقرآن ، فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من أفعالنا . فوقع بينهم اختلاف ، فقال بعض الناس : قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، وقال بعضهم : لم يقل ، حتى تواثبوا ، فاجتمع أهل الدار ، وأخرجوهم . [ ص: 459 ]

وقال الحاكم : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم ، سمعت ابن علي المخلدي ، سمعت محمد بن يحيى يقول : قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية .

وقال سمعت محمد بن صالح بن هانئ : سمعت أحمد بن سلمة يقول : دخلت على البخاري ، فقلت : يا أبا عبد الله ، هذا رجل مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة ، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه ، فما ترى ؟ فقبض على لحيته ، ثم قال : وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ، ولا طلبا للرئاسة ، وإنما أبت علي نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين ، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير . ثم قال لي : يا أحمد ، إني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي .

قال : فأخبرت جماعة أصحابنا ، فوالله ما شيعه غيري . كنت معه حين خرج من البلد ، وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره .

قال : وسمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول : لما استوطن [ ص: 460 ] البخاري نيسابور أكثر مسلم بن الحجاج الاختلاف إليه . فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع في مسألة اللفظ ، ونادى عليه ، ومنع الناس عنه ، انقطع عنه أكثر الناس غير مسلم . فقال الذهلي يوما : ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا . فأخذ مسلم رداء فوق عمامته ، وقام على رؤوس الناس ، وبعث إلى الذهلي ما كتب عنه على ظهر جمال . وكان مسلم يظهر القول باللفظ ولا يكتمه .

قال : وسمعت محمد بن يوسف المؤذن ، سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول : حضرت مجلس محمد بن يحيى الذهلي ، فقال : ألا من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فلا يحضر مجلسنا . فقام مسلم بن الحجاج من المجلس .

رواها أحمد بن منصور الشيرازي عن محمد بن يعقوب ، فزاد : وتبعه أحمد بن سلمة .

قال أحمد بن منصور الشيرازي : سمعت محمد بن يعقوب الأخرم ، سمعت أصحابنا يقولون : لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي ، قال الذهلي : لا يساكنني هذا الرجل في البلد . فخشي البخاري وسافر .

وقال محمد بن أبي حاتم : أتى رجل أبا عبد الله البخاري ، فقال : يا أبا عبد الله ، إن فلانا يكفرك ! فقال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : إذا قال الرجل [ ص: 461 ] لأخيه : يا كافر ، فقد باء به أحدهما .

وكان كثير من أصحابه يقولون له : إن بعض الناس يقع فيك ، فيقول : إن كيد الشيطان كان ضعيفا ويتلو أيضا : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فقال له عبد المجيد بن إبراهيم : كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك ؟ فقال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : اصبروا حتى تلقوني على الحوض وقال -صلى الله عليه وسلم- : من دعا على ظالمه ، فقد انتصر .

قال محمد بن أبي حاتم : وسمعته يقول : لم يكن يتعرض لنا قط أحد من أفناء الناس إلا رمي بقارعة ، ولم يسلم ، وكلما حدث الجهال أنفسهم أن يمكروا بنا رأيت من ليلتي في المنام نارا توقد ثم تطفأ من غير أن ينتفع بها ، فأتأول قوله تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله . [ ص: 462 ] وكان هجيراه من الليل إذا أتيته في آخر مقدمه من العراق : إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده الآية . .

وقال أحمد بن منصور الشيرازي : سمعت القاسم بن القاسم يقول : سمعت إبراهيم وراق أحمد بن سيار يقول لما قدم البخاري مرو استقبله أحمد بن سيار فيمن استقبله ، فقال له أحمد : يا أبا عبد الله ، نحن لا نخالفك فيما تقول ، ولكن العامة لا تحمل ذا منك . فقال البخاري : إني أخشى النار ، أسأل عن شيء أعلمه حقا أن أقول غيره . فانصرف عنه أحمد بن سيار .

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين ، وسمع منه أبي وأبو زرعة ، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق . [ ص: 463 ]

قلت : إن تركا حديثه ، أو لم يتركاه ، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث