الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب القول في المبين والمجمل

أما المبين فهو : " ما استقل بنفسه ، في الكشف عن المراد ، ولم يفتقر في معرفة المراد إلى غيره " ، وذلك على ضربين : ضرب يفيد بنطقه ، وضرب يفيد بمفهومه . فالذي يفيد بنطقه هو : النص ، والظاهر ، والعموم .

فالنص : " كل لفظ دل على الحكم بصريحه ، على وجه لا احتمال فيه " .


مثل قوله تعالى : ( ولا تقربوا الزنا ) ، ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ، ونحو ذلك من الألفاظ الصريحة في بيان الأحكام .

والظاهر : " كل لفظ احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر " .

كالأمر والنهي وغيرهما من أنواع الخطاب الموضوعة للمعاني المخصوصة المحتملة لغيرها .

والعموم : " ما عم شيئين فصاعدا " .

والفرق بين العموم والظاهر : أن العموم : ليس بعض ما يتناوله اللفظ بأظهر فيه من بعض ، وتناوله للجميع على لفظ واحد ، فيجب حمله على عمومه ، إلا أن يخصه دليل أقوى منه ، وأما الظاهر : فإنه يحتمل معنيين ، إلا أن أحدهما أظهر وأحق باللفظ من الآخر ، فيجب [ ص: 233 ] حمله على أظهرهما ، ولا يجوز صرفه عنه إلا بما هو أقوى منه ، فكل عموم ظاهر ، وليس كل ظاهر عموما .

وأما الضرب الذي يفيد بمفهومه فهو : فحوى الخطاب ، ولحن الخطاب ، ودليل الخطاب .

ففحوى الخطاب : " ما دل عليه اللفظ من جهة التنبيه كقوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) ، فيه تنبيه على النهي عن ضربهما وسبهما ، لأن الضرب والسب أعظم من التأفيف .

وكذلك قوله تعالى : ( من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) ، فيه تنبيه على أنه يؤدي ما كان دون القنطار ، ففي هذه الآية نبه بالأعلى على الأدنى ، وفي الآية الأولى نبه بالأدنى على الأعلى .

وزعم بعض أهل اللغة : أن فحوى الخطاب اشتق من تسميتهم الأبزار فحا ، يقال : " فح قدرك يا هذا " ، فسمي فحوى لأنه : يظهر اللفظ كما يظهر الأبزار طعم الطبيخ ورائحته .

وأما لحن الخطاب فهو : " ما دل عليه اللفظ من الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به " ، مثل قوله تعالى : ( اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ) ، ومعناه : فضرب فانفجرت .

ومن ذلك أيضا : حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه : كقوله تعالى : ( واسأل القرية ) ومعناه : اسأل أهل القرية .

ولا خلاف أن هذا ، كالمنطوق به في الإفادة والبيان .

[ ص: 234 ] وأما دليل الخطاب فهو : " أن يعلق الحكم على إحدى صفتي الشيء ، فيدل على أن ما عداها بخلافه " ، كقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ) ، فيه دلالة على أن العدل ، إن جاء بنبإ لم يتبين .

وكذلك قوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) ، فيه دليل على أن المبتوتات غير الحوامل لا يجب عليهن الإنفاق .

وأما المجمل فهو : " ما لا يعقل معناه من لفظه ، ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره " .

مثال ذلك : أن الله تعالى قال : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ، وأموالهم إلا بحقها " ، فالحق المذكور في الآية ، والمذكور في الحديث ، كل واحد منهما مجهول الجنس والقدر ، فيحتاج إلى البيان .

التالي السابق


الخدمات العلمية