الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر وفاته

قال ابن عدي : سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي يقول : جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك - " قرية " على فرسخين من سمرقند- وكان له بها أقرباء ، فنزل عندهم ، فسمعته ليلة يدعو ، وقد فرغ من صلاة الليل : اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت ، فاقبضني إليك ، فما تم الشهر حتى مات . وقبره بخرتنك .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول : إنه أقام عندنا أياما ، فمرض ، واشتد به المرض حتى وجه رسولا إلى مدينة سمرقند في إخراج محمد ، فلما وافى [ ص: 467 ] تهيأ للركوب ، فلبس خفيه ، وتعمم ، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها ، وأنا آخذ بعضده ، ورجل أخذ معي يقوده إلى الدابة ليركبها ، فقال -رحمه الله- : أرسلوني ، فقد ضعفت . فدعا بدعوات ، ثم اضطجع ، فقضى رحمه الله . فسال منه العرق شيء لا يوصف . فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه . وكان فيما قال لنا ، وأوصى إلينا أن كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك . فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك ، فدام ذلك أياما ، ثم علت سواري بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره ، فجعل الناس يختلفون ، ويتعجبون . وأما التراب فإنهم كانوا يرفعون عن القبر ، حتى ظهر القبر ، ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحراس . وغلبنا على أنفسنا ، فنصبنا على القبر خشبا مشبكا لم يكن أحد يقدر على الوصول إلى القبر فكانوا يرفعون ما حول القبر من التراب ، ولم يكونوا يخلصون إلى القبر . . وأما ريح الطيب فإنه تداوم أياما كثيرة ، حتى تحدث أهل البلدة ، وتعجبوا من ذلك ، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته ، وخرج بعض مخالفيه إلى قبره ، وأظهروا التوبة والندامة مما كانوا شرعوا فيه من مذموم المذهب .

قال محمد بن أبي حاتم : ولم يعش أبو منصور غالب بن جبريل بعده إلا القليل ، وأوصى أن يدفن إلى جنبه . [ ص: 468 ]

وقال محمد بن محمد بن مكي الجرجاني : سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم ، ومعه جماعة من أصحابه ، وهو واقف في موضع ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ، فقلت : ما وقوفك يا رسول الله ؟ قال : أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري . فلما كان بعد أيام . بلغني موته ، فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها .

وقال خلف بن محمد الخيام : سمعت مهيب بن سليم الكرميني يقول : مات عندنا البخاري ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ، وقد بلغ اثنتين وستين سنة ، وكان في بيت وحده ، فوجدناه لما أصبح وهو ميت .

وقال ابن عدي : سمعت الحسن بن الحسين البزاز البخاري يقول : توفي البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء ، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين . وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما .

وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت أبا ذر يقول : رأيت محمد بن حاتم الخلقاني في المنام ، وكان من أصحاب محمد بن حفص ، فسألته -وأنا أعرف أنه ميت- عن شيخي رحمه الله ، هل رأيته؟ قال : نعم ، رأيته وهو ذاك ، يشير إلى ناحية سطح من سطوح المنزل . ثم سألته عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل ، فقال : رأيته ، وأشار إلى السماء إشارة كاد أن يسقط منها لعلو ما يشير . [ ص: 469 ]

وقال أبو علي الغساني : أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السكتي السمرقندي : قدم علينا بلنسية عام أربعة وستين وأربعمائة . قال : قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام ، فاستسقى الناس مرارا ، فلم يسقوا . فأتى رجل صالح معروف بالصلاح إلى قاضي سمرقند ، فقال له : إني رأيت رأيا أعرضه عليك . قال : وما هو ؟ قال : أرى أن تخرج ويخرج الناس معك إلى قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ، وقبره بخرتنك ، ونستسقي عنده ، فعسى الله أن يسقينا . قال : فقال القاضي : نعم ما رأيت . فخرج القاضي والناس معه ، واستسقى القاضي بالناس ، وبكى الناس عند القبر ، وتشفعوا بصاحبه ، فأرسل الله -تعالى- السماء بماء عظيم غزير ، أقام الناس من أجله بخرتنك سبعة أيام أو نحوها ، لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته ، وبين خرتنك وسمرقند نحو ثلاثة أميال .

وقال الخطيب في تاريخه : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي الحرشي بنيسابور ، قال : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي ( ح ) ، قال الخطيب : سمعت أحمد بن عبد الله الصفار البلخي ، يقول : سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف الفربري ، أنه كان يقول : سمع كتاب " الصحيح " لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل ، فما بقي أحد يرويه غيري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث