الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              3308 [ ص: 49 ] باب : سهمان الفارس والراجل

                                                                                                                              وقال النووي : (باب كيفية قسمة الغنيمة في الحاضرين) .

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 82- 83 ج 12 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما .) هكذا هو في أكثر الروايات . وفي بعضها : " للفرس سهمين ، وللراجل سهما" بالألف . وفي بعضها : " للفارس سهمين ") .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              والمراد بالنفل هنا : "الغنيمة". وأطلق عليها اسم "النفل" : لكونها تسمى "نفلا" لغة . فإن النفل في اللغة : الزيادة والعطية . وهذه عطية من الله تعالى . فإنها أحلت لهذه الأمة دون غيرها .

                                                                                                                              قال النووي : واختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة ; فقال الجمهور : يكون للراجل سهم واحد ، وللفارس ثلاثة أسهم : (سهمان بسبب فرسه ، وسهم بسبب نفسه) . وممن قال بهذا : ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وابن سيرين ، وعمر بن عبد العزيز ، ومالك ،

                                                                                                                              [ ص: 50 ] والأوزاعي ، والثوري ، والليث ، والشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وابن جرير ، وآخرون .

                                                                                                                              وقال أبو حنيفة : للفارس سهمان فقط ; سهم لها) ، وسهم له .

                                                                                                                              قالوا : ولم يقل بقوله هذا أحد ، إلا ما روي عن علي وأبي موسى .

                                                                                                                              وحجة الجمهور : هذا الحديث . وهو صريح على رواية من روى : " للفرس سهمين وللرجل سهما " بغير ألف . وهي رواية الأكثرين . ومن روى " وللراجل " روايته محتملة ، فيتعين حملها على موافقة الأولى ; جمعا بين الروايتين . قال أصحابنا وغيرهم : ويرفع هذا الاحتمال ، ما ورد مفسرا، في غير هذه الرواية ، في حديث ابن عمر هذا : " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أسهم لرجل وفرسه : ثلاثة أسهم ، سهم له ، وسهمان لفرسه " . ومثله من رواية ابن عباس ، وأبي عمرة الأنصاري : ولو حضر بأفراس ، لم يسهم إلا لفرس واحد. هذا مذهب الجمهور ; منهم الحسن ، ومالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، ومحمد بن الحسن . " رضي الله عنهم ".

                                                                                                                              وقال الأوزاعي ، والثوري ، والليث ، وأبو يوسف : يسهم لفرسين . ويروى مثله أيضا عن الحسن ، ومكحول ، ويحيى الأنصاري ، وابن وهب ، وغيره من المالكيين . قالوا : ولم يقل أحد : إنه يسهم لأكثر [ ص: 51 ] من فرسين ، إلا شيئا روي عن سليمان بن موسى : أنه يسهم. انتهى .

                                                                                                                              وأقول : لا شك أن أحاديث الباب القاضية بأنه يسهم للفرس ولصاحبه ثلاثة أسهم: تشهد لها الأحاديث الكثيرة الصحيحة ، المذكورة في المنتقى وغيره . وأما حديث " مجمع بن جارية " بلفظ : " فأعطى الفارس سهمين ، والراجل سهما " رواه أحمد ، وأبو داود ، فذكر أبو داود : أن حديث ابن عمر أصح . قال : وأتى الوهم في حديث مجمع أنه قال : " فيهم ثلاثمائة فارس ". وإنما كانوا مائتي فارس. وقال الحافظ في الفتح : إن في إسناده ضعفا . وعلى فرض صحته : فيمكن تأويله بأن المراد : أسهم للفارس بسبب فرسه " سهمين" ، غير سهمه المختص به . قال في النيل : ولا بد من المصير إلى تأويل حديث مجمع ، وما ورد في معناه . لمعارضته للأحاديث الصحيحة ، الثابتة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما . وقد تمسك بحديث مجمع: أبو حنيفة وغيره .

                                                                                                                              و أما احتمال : أن الثالث في بعض الحالات تنفيل ، جمعا [ ص: 52 ] بين الأخبار ، فلا يخفى ما فيه من التعسف . وقد أمكن الجمع مما سلف . وهو جمع نير ، دلت عليه الأدلة . وقد تقرر في الأصول : أن التأويل في جانب المرجوح من الأدلة لا الراجح . والأدلة القاضية بأن للفارس وفرسه سهمين ، مرجوحة . لا يشك في ذلك من له أدنى إلمام بعلم السنة .

                                                                                                                              والله أعلم .




                                                                                                                              الخدمات العلمية