الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . الآية . أخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، [ ص: 145 ] وابن جرير، وابن مردويه، من طريق طاووس عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله : إلا المودة في القربى فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد . فقال ابن عباس : عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني ، وابن مردويه، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس : قال : قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن سعد ، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن الشعبي : قال : أكثر الناس علينا في هذه الآية : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فكتبنا إلى ابن عباس نسأله، فكتب ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب في قريش ؛ ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولدوه فقال الله : قل لا أسألكم عليه أجرا على ما أدعوكم إليه إلا المودة في القربى تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها .

[ ص: 146 ] وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني من طريق علي عن ابن عباس في قوله : إلا المودة في القربى قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة من جميع قريش فلما كذبوه، وأبوا أن يتابعوه قال : يا قوم إن أبيتم أن تتابعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم .

وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق الضحاك عن ابن عباس : قال : نزلت هذه الآية بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : قل لهم يا محمد : لا أسألكم عليه يعني : على ما أدعوكم إليه أجرا عوضا من الدنيا، إلا المودة في القربى إلا الحفظ لي في قرابتي فيكم . قال : المودة إنما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قرابته، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء فقال : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله [سبأ : 47] يعني ثوابه وكرامته في الآخرة كما قال : نوح : وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين [الشعراء : 109] وكما قال هود وصالح وشعيب : لم يستثنوا أجرا كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليهم، وهي منسوخة .

[ ص: 147 ] وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم ، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه، من طريق مجاهد، عن ابن عباس : عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال : (لا أسألكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن تودوا الله وأن تقربوا إليه بطاعته .

وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : أن تتبعوني وتصدقوني وتصلوا رحمي .

وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس في قوله : إلا المودة في القربى . قال : إلا أن تودوني في قرابتي، ولا تؤذوني . وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه، من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : إن محمدا قال لقريش : لا أسألكم من أموالكم شيئا، ولكن أسألكم ألا تؤذوني لقرابة ما بيني وبينكم؛ فإنكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني .

[ ص: 148 ] وأخرج ابن مردويه من طريق أبي مالك، عن ابن عباس في قوله : إلا المودة في القربى قال : تحفظوني في قرابتي .

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس في الآية قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في قريش بطن إلا وله فيهم أم حتى كانت له في هذيل أم فقال الله : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تحفظوني في قرابتي؛ إن كذبتموني فلا تؤذوني .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه، من طريق مقسم، عن ابن عباس : قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا فقال ابن عباس : لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم فقال : يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : أفلا تجيبوني؟ قالوا : ما نقول يا رسول الله؟ قال : ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ فما زال يقول : حتى جثوا على الركب وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله . فنزلت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى .

[ ص: 149 ] وأخرج الطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه، بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قالت الأنصار فيما بينهم : لولا جمعنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالا فبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد! فقالوا : يا رسول الله إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا فأنزل الله : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فخرجوا مختلفين فقالوا : لمن ترون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال بعضهم : إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم . فأنزل الله : أم يقولون افترى على الله كذبا إلى قوله : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده فعرض لهم بالتوبة إلى قوله : ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله هم الذين قالوا هذا : أن يتوبوا إلى الله ويستغفرونه .

وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى أن تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم بي .

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه، بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء [ ص: 150 ] الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال : علي وفاطمة وولدهما .

وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير إلا المودة في القربى قال : قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال : لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي بن الحسين : أقرأت القرآن؟ قال : نعم . قال : أقرأت آل حم؟ قال : لا . قال : أما قرأت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : فإنكم لأنتم هم؟ قال : نعم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومن يقترف حسنة قال : المودة لآل محمد .

وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه والنسائي، والحاكم عن المطلب [ ص: 151 ] بن ربيعة قال : دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه، ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي .

وأخرج مسلم والترمذي، والنسائي، عن زيد بن أرقم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أذكركم الله في أهل بيتي .

وأخرج الترمذي، وحسنه، وابن الأنباري في "المصاحف" عن زيد بن أرقم : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما .

وأخرج الترمذي، وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في "الشعب" عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحبوا الله لما [ ص: 152 ] يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي .

وأخرج البخاري عن أبي بكر الصديق : قال : ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته .

وأخرج ابن عدي عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أبغضنا أهل البيت فهو منافق .

وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا زيد يوم القيامة بسياط من نار .

وأخرج ابن حبان ، والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار .

[ ص: 153 ] وأخرج الطبراني والخطيب من طريق أبي الضحى عن ابن عباس قال : جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنك قد تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يبلغوا الخير أو الإيمان حتى يحبوكم لله ولقرابتي أترجو سليم – حي من مراد – شفاعتي ولا ترجو بنو عبد المطلب شفاعتي؟!

وأخرج الخطيب من طريق أبي الضحى عن مسروق عن عائشة : قالت : أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا لنعرف الضغائن في أناس من قومنا من وقائع أوقعناها . فقال : أما والله إنهم لا يبلغون خيرا حتى يحبوكم لقرابتي ترجو سليم شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب .

وأخرج ابن النجار في "تاريخه" عن الحسن بن علي : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل شيء أساس وأساس الإسلام حب أصحاب رسول الله [ ص: 154 ] صلى الله عليه وسلم وحب أهل بيته .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن : في قوله : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : ما كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يسأل على هذا القرآن أجرا ولكنه أمرهم أن يتقربوا إلى الله بطاعته وحب كتابه .

وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن الحسن : في الآية قال : كل من تقرب إلى الله بطاعته وجبت عليك محبته .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله : إلا المودة في القربى قال : إلا التقرب إلى الله بالعمل الصالح .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال : كن له عشر أمهات في المشركات وكان إذا مر بهم آذوه في تنقيصهن وشتمهن فهو قوله : إلا المودة في القربى يقول : لا تؤذوني في قرابتي .

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ، عن قتادة : في قوله : إن الله غفور شكور قال : غفور للذنوب شكور للحسنات يضاعفها .

[ ص: 155 ] وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله : فإن يشأ الله يختم على قلبك قال : إن يشأ الله أنساك ما قد آتاك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث