الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة

جزء التالي صفحة
السابق

( 2970 ) مسألة ; قال : ( ومن عرف مبلغ شيء ، لم يبعه صبرة ) نص أحمد على هذا ، في مواضع . وكرهه عطاء ، وابن سيرين ، ومجاهد ، وعكرمة . وبه قال مالك ، وإسحاق . وروي ذلك عن طاوس . قال مالك : لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك .

وعن أحمد ، أن هذا مكروه غير محرم ، فإن بكر بن محمد روى عن أبيه ، أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا ، وقد عرف كيله ، وقلت له : إن مالكا يقول : إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري ، فإن أحب أن يرد رده . قال : هذا تغليظ شديد ، ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله ، إلا أن يخبره ، فإن باعه ، فهو جائز عليه ، وقد أساء .

ولم ير أبو حنيفة والشافعي ، بذلك بأسا ; لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره ، فمع العلم من أحدهما أولى . ووجه الأول ، ما روى الأوزاعي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه } . قال القاضي : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { ، أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة ، وهو يعلم كيله . } والنهي يقتضي التحريم ، وأيضا الإجماع الذي نقله مالك ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل ، إلا للتغرير بالمشتري والغش له ، ولذلك أثر في عدم لزوم العقد ، وقد قال عليه السلام { : من غشنا فليس منا } . فصار كما لو دلس العيب .

فإن باع ما علم كيله صبرة ، فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم ، أن البيع صحيح لازم . وهو قول مالك والشافعي ; لأن المبيع معلوم لهما ، ولا تغرير من أحدهما ، فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه ، ولم يثبت ما روي من النهي فيه ، وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه ; لاختلاف العلماء فيه . ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير .

وقال القاضي وأصحابه : هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري ، فلا خيار له ; لأنه دخل على بصيرة ، فهو كما لو اشترى مصراة يعلم تصريتها . وإن لم يعلم أن البائع كان عالما بذلك ، فله الخيار في الفسخ ، والإمضاء . وهذا قول مالك ; لأنه غش ، وغدر من البائع ، فصح العقد معه ، ويثبت للمشتري الخيار . وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع فاسد ; لأنه منهي عنه ، والنهي يقتضي الفساد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث