الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة اشترى شيئا مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسدا

جزء التالي صفحة
السابق

( 3032 ) مسألة ; قال : ( وإذا اشترى شيئا ، مأكوله في جوفه ، فكسره ، فوجده فاسدا ، فإن لم يكن لمكسوره قيمة ، كبيض الدجاج ، رجع بالثمن على البائع ، وإن كان لمكسوره قيمة ، كجوز الهند ، فهو مخير في الرد وأخذ الثمن ، وعليه أرش الكسر ، أو يأخذ ما بين صحيحه ومعيبه ) وجملة ذلك ، أنه إذا اشترى ما لا يطلع على عيبه إلا بكسره ، كالبطيخ ، والرمان ، والجوز ، والبيض ، فكسره فبان عيبه ، ففيه روايتان ; إحداهما ، لا يرجع على البائع بشيء ، وهو مذهب مالك ; لأنه ليس من البائع تدليس ، ولا تفريط ; لعدم معرفته بعيبه ، وكونه لا يمكنه الوقوف عليه إلا بكسره ، فجرى مجرى البراءة من العيوب .

والثانية ، يرجع عليه . وهي ظاهر المذهب ، وقول أبي حنيفة والشافعي ; لأن عقد البيع اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري ، فإذا بان معيبا ، ثبت له الخيار ، ولأن البائع إنما يستحق ثمن المعيب ، دون الصحيح ; لأنه لم يملكه صحيحا ، فلا معنى لإيجاب الثمن كله ، وكونه لم يفرط لا يقتضي أن يجب له ثمن ما لم يسلمه ; بدليل العيب الذي لم يعلمه في العبد . إذا ثبت هذا ، فإن المبيع إن كان مما لا قيمة له مكسورا ، كبيض الدجاج الفاسد ، والرمان الأسود ، والجوز الخرب ، والبطيخ التالف ، رجع بالثمن كله ; لأن هذا تبين به فساد العقد من أصله ; لكونه وقع على ما لا نفع فيه ، ولا يصح بيع ما لا نفع فيه ، كالحشرات والميتات ، وليس عليه أن يرد المبيع إلى البائع ; لأنه لا فائدة فيه .

الثاني ، أن يكون مما لمعيبه قيمة ، كجوز الهند ، وبيض النعام ، والبطيخ الذي فيه نفع ، ونحوه ، [ ص: 123 ] فإذا كسره نظرت ، فإن كان كسرا لا يمكن استعلام المبيع بدونه ، فالمشتري مخير بين رده ورد أرش الكسر وأخذ الثمن ، وبين أخذ أرش عيبه ، وهو قسط ما بين صحيحه ومعيبه ، وهذا ظاهر كلام الخرقي . وقال القاضي : عندي لا أرش عليه لكسره ; لأن ذلك حصل بطريق استعلام العيب ، والبائع سلطه عليه ، حيث علم أنه لا تعلم له صحته من فساده بغير ذلك . وهذا قول الشافعي .

ووجه قول الخرقي . أنه نقص لم يمنع الرد ، فلزم رد أرشه ، كلبن المصراة إذا حلبها ، والبكر إذا وطئها ، وبهذين الأصلين يبطل ما ذكره ، فإنه لاستعلام العيب ، والبائع سلطه عليه ، بل هاهنا أولى ; لأنه تدليس من البائع ، والتصرية حصلت بتدليسه ، وإن كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه ، إلا أنه لا يتلف المبيع بالكلية ، فالحكم فيه كالذي قبله في قول الخرقي وهو قول القاضي أيضا . والمشتري مخير بين رده وأرش الكسر وأخذ الثمن ، بين أخذ أرش العيب . وهو إحدى الروايتين عن أحمد .

والرواية الثانية ، ليس له رده ، وله أرش العيب . وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم . وإن كسره كسرا لا يبقي له قيمة ، فله أرش العيب ، لا غير ; لأنه أتلفه ، وقدر أرش العيب قسط ما بين الصحيح والمعيب من الثمن ، فيقوم المبيع صحيحا ، ثم يقوم معيبا غير مكسور ، فيكون للمشتري قدر ما بينهما من الثمن . على ما مضى شرحه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث