الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فوائد معرفة سبب النزول

فوائد معرفة سبب النزول

لمعرفة سبب النزول فوائد أهمها :

[ ص: 75 ] أ- بيان الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث رحمة بالأمة .

ب- تخصيص حكم ما نزل إن كان بصيغة العموم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ ، وهي مسألة خلافية سيأتي لها مزيد من الإيضاح ، وقد يمثل لهذا بقوله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ، فقد روي أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل يعذب لنعذبن أجمعون ، فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية ، إنما نزلت في أهل الكتاب . ثم تلا : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب 2 . . . الآية . قال ابن عباس : سألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه “ .

جـ- إذا كان لفظ ما نزل عاما وورد دليل على تخصيصه فمعرفة السبب تقصر التخصيص على ما عدا صورته ، ولا يصح إخراجها ، لأن دخول صورة السبب في اللفظ العام قطعي ، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد لأنه ظني ، وهذا هو ما عليه الجمهور وقد يمثل لهذا بقوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين . . فإن هذه الآية نزلت في عائشة خاصة ، أو فيها وفي سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- " عن ابن عباس في قوله : إن الذين يرمون [ ص: 76 ] المحصنات . . . الآية : نزلت في عائشة خاصة “ ، وعن ابن عباس في هذه الآية أيضا : " هذه في عائشة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة ، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- التوبة ، ثم قرأ : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم . وعلى هذا فإن قبول توبة القاذف وإن كان مخصصا لعموم قوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ، لا يتناول بالتخصيص من قذف عائشة ، أو قذف سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن هذا لا توبة له ، لأن دخول صورة السبب في اللفظ العام قطعي .

د- ومعرفة سبب النزول خير سبيل لفهم معاني القرآن ، وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها ما لم يعرف سبب نزولها ، قال الواحدي : " لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها " وقال ابن دقيق العيد : " بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن " وقال ابن تيمية : " معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب “ ، ومن أمثلة ذلك : ما أشكل على مروان بن الحكم في فهم الآية الآنفة الذكر : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم حتى أورد له ابن عباس سبب النزول .

ومثله آية : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم [ ص: 77 ] فإن ظاهر لفظ الآية لا يقتضي أن السعي فرض ، لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الوجوب ، وذهب بعضهم إلى هذا تمسكا بالظاهر ، وقد ردت عائشة على عروة بن الزبير في فهمه ذلك بما ورد في سبب نزولها ، وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه من عمل الجاهلية ، حيث كان على الصفا أساف ، وعلى المروة نائلة ، وهما صنمان ، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما : " عن عائشة أن عروة قال لها : أرأيت قول الله : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما ؟ فقالت عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختي ، إنها لو كانت على ما أولتها كانت : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكنها إنما أنزلت ، أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها ، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية ، فأنزل الله : إن الصفا والمروة من شعائر الله . . . الآية . قالت عائشة : ثم قد بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطواف بهما ، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما “ .

هـ- ويوضح سبب النزول من نزلت فيه الآية حتى لا تحمل على غيره بدافع الخصومة والتحامل ، كالذي ذكر في قوله تعالى : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ، فقد أراد " معاوية " أن يستخلف " يزيد " وكتب إلى " مروان " عامله على المدينة بذلك ، فجمع الناس وخطبهم ودعاهم إلى بيعة " يزيد " فأبى عبد الرحمن بن أبي بكر أن يبايع ، فأراده " مروان " بسوء لولا أن دخل بيت عائشة ، وقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه :

[ ص: 78 ] والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي فردت عليه عائشة وبينت له سبب نزولها ، " عن يوسف بن ماهك قال : كان مروان على الحجاز ، استعمله معاوية بن أبي سفيان ، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا ، فقال : خذوه ، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا أنزل فيه : والذي قال لوالديه أف لكما فقالت عائشة : " ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري “ ، وفي بعض الروايات : " إن مروان لما طلب البيعة ليزيد قال : سنة أبي بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن : سنة هرقل وقيصر ، فقال مروان : هذا الذي قال الله فيه : " والذي قال لوالديه أف لكما " . . . الآية ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : كذب مروان ، والله ما هو به ، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته “ . . "

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث