الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أخذ الجزية وعقد الذمة

جزء التالي صفحة
السابق

باب أخذ الجزية وعقد الذمة 3474 - ( عن عمر : { أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر } . رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي .

وفي رواية : { أن عمر ذكر المجوس فقال : ما أدري كيف أصنع في أمرهم ؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سنوا بهم سنة أهل الكتاب } رواه الشافعي ، وهو دليل على أنهم ليسوا من أهل الكتاب ) .

3475 - ( وعن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى : { أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية } . رواه أحمد والبخاري ) .

3476 - ( وعن ابن عباس قال : { مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وشكوه إلى أبي طالب فقال : يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟ قال : أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية قال : كلمة واحدة ؟ قال : كلمة واحدة قولوا : لا إله إلا الله قالوا : إلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ، قال : فنزل فيهم القرآن { ص والقرآن ذي الذكر } إلى قوله : { إن هذا إلا اختلاق } } رواه أحمد والترمذي وقال : حديث حسن ) .

التالي السابق


حديث عمر وعبد الرحمن ورد بألفاظ من طرق ، منها ما ذكره المصنف . وقد أخرجه الترمذي بلفظ " فجاءنا كتاب عمر : انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية ، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني فذكره " وأخرج أبو داود من طريق ابن عباس قال : { جاء [ ص: 64 ] رجل من مجوس هجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرج قلت له : ما قضاء الله ورسوله فيكم ؟ قال : شر : الإسلام أو القتل } وقال عبد الرحمن بن عوف : قبل منهم الجزية . قال ابن عباس : فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت

وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بسند صحيح عن حذيفة : لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها .

وفي الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر قال : لا أدري ما أصنع بالمجوس ، فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { سنوا بهم سنة أهل الكتاب } وهذا منقطع ورجاله ثقات . ورواه الدارقطني وابن المنذر في الغرائب من طريق أبي علي الحنفي عن مالك ، فزاد فيه عن جده : أي جد جعفر بن محمد ، وهو أيضا منقطع لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر ، فإن كان الضمير في جده يعود إلى محمد بن علي فيكون متصلا ; لأن جده الحسين بن علي صلوات الله عليهمسمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف ، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي ، أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } قال ابن عبد البر : هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص ; لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط ، واستدل بقوله : " سنة أهل الكتاب " على أنهم ليسوا أهل كتاب ، لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي كان المجوس أهل كتاب يدرسونه وعلم يقرءونه ، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته ، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال : إن آدم كان ينكح أولاده بناته ، فأطاعوه ، وقتل من خالفه ، فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء .

وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى : لما هزم المسلمون أهل فارس . قال عمر : اجتمعوا فقال : إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم ، ولا من عبدة الأوثان فنجري عليهم أحكامهم ، فقال علي : بل هم أهل كتاب فذكر نحوه ، لكن قال : وقع على ابنته ، وقال في آخره : فوضع الأخدود لمن خالفه ، فهذا حجة من قال كان لهم كتاب . وأما قول ابن بطال : لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ، ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم .

فالجواب أن الاستثناء وقع للأثر الوارد ; لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه ممن يحتاط له . وقال ابن المنذر : ليس تحريم نكاحهم وذبائحهم متفقا عليه ، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه ، وحديث ابن عباس أخرجه النسائي أيضا ، وصححه الترمذي والحاكم

قوله : ( حتى تعبدوا الله وحده . . . إلخ ) فيه الإخبار من المغيرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية ، زاد الطبراني " وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء حتى نغلبكم على [ ص: 65 ] ما في أيديكم " قوله : ( وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ) فيه متمسك لمن قال : لا تؤخذ الجزية من الكتابي إذا كان عربيا قال في الفتح : فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق .

وفرق الحنفية فقالوا : تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب وحكى الطحاوي عنهم أنها تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف . وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد ، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام . وحكى ابن القاسم عن مالك أنها لا تقبل من قريش وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس ، لكن حكى ابن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط . ونقل أيضا الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم . وحكى غيره عن أبي ثور حل ذلك ، قال ابن قدامة : وهذا خلاف إجماع من تقدمه . قال الحافظ : وفيه نظر ، فقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذبحها . وروى ابن أبي شيبة عنه وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية . وقال الشافعي : تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ، ويلتحق بهم المجوس في ذلك قال أبو عبيد : ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة قال العلماء : الحكمة في وضع الجزية أن الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام واختلف في السنة التي شرعت فيها ، فقيل في سنة ثمان وقيل في سنة تسع

3477 - ( وعن عمر بن عبد العزيز { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن : إن على كل إنسان منكم دينارا كل سنة أو قيمته من المعافر ، يعني أهل الذمة منهم } رواه الشافعي في مسنده وقد سبق هذا المعنى في كتاب الزكاة في حديث لمعاذ ) .

3478 - ( وعن عمرو بن عوف الأنصاري : { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي } متفق عليه ) .

3479 - ( وعن الزهري قال : { قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا } رواه أبو عبيد في الأموال ) .

3480 - ( وعن أنس { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة ، فأخذوه [ ص: 66 ] فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية } رواه أبو داود ، وهو دليل على أنها لا تختص بالعجم ; لأن أكيدر دومة عربي من غسان ) .

3481 - ( وعن ابن عباس قال : { صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر ، والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين ، وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها ، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد ذات غدر على أن لا يهدم لهم بيعة ، ولا يخرج لهم قس ، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا ، أو يأكلوا الربا } أخرجه أبو داود ) . حديث عمر بن عبد العزيز هو مرسل ، ولكنه يشهد له ما أشار إليه المصنف من حديث معاذ ، وقد سبق في باب صدقة المواشي من كتاب الزكاة ، وفيه { ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر } وقد قدمنا الكلام عليه هنالك ، وحديث الزهري هو أيضا مرسل . وقد تقدم ما يشهد له في أول الباب .

وحديث أنس أخرجه أيضا البيهقي وسكت عنه أبو داود والمنذري ، ورجال إسناده ثقات ، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق وحديث ابن عباس هو من رواية السدي عنه . قال المنذري : وفي سماع السدي من عبد الله بن عباس نظر ، وإنما قيل إنه رآه ورأى ابن عمر ، وسمع من أنس بن مالك ، وكذا قال الحافظ : إن في سماع السدي منه نظرا ، لكن له شواهد : منها ما أخرجه ابن أبي شيبة عن الشعبي قال : { كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل نجران وهم نصارى أن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له } وأخرج أيضا عن سالم قال : " إن أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفا ، وكان عمر رضي الله عنه يخافهم أن يميلوا على المسلمين فتحاسدوا بينهم ، فأتوا عمر فقالوا : أجلنا ، قال : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كتب لهم كتابا أن لا يجلوا ، فاغتنمها عمر فأجلاهم ، فندموا ، فأتوه فقالوا : أقلنا ، فأبى أن يقيلهم ، فلما قدم علي أتوه فقالوا : إنا نسألك بخط يمينك وشفاعتك عند نبيك إلا ما أقلتنا ، فأبى ، وقال : إن عمر كان رشيد الأمر " قوله : ( من المعافر ) بعين مهملة وفاء : اسم قبيلة وبها سميت الثياب ، وإليها ينسب البز المعافري قوله : ( الأنصاري ) كذا في صحيح البخاري ، والمعروف عند أهل المغازي أنه من المهاجرين . وقد وقع أيضا في البخاري أنه حليف لبني عامر بن لؤي ، وهو يشعر - بكونه من أهل مكة قال في الفتح : ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصاري بالمعنى الأعم ، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس والخزرج نزل مكة وحالف بعض أهلها ، فبهذا الاعتبار [ ص: 67 ] يكون أنصاريا مهاجريا . قال : ثم ظهر لي أن لفظة الأنصاري وهم ، وقد تفرد بها شعيب عن الزهري ، ورواه أصحاب الزهري عنه بدونها في الصحيحين وغيرهما ، وهو معدود في أهل بدر باتفاقهم ، ووقع عند موسى بن عقبة في المغازي أنه عمير بن عوف بالتصغير قوله : ( إلى البحرين ) هي البلد المشهور بالعراق ، وهو بين البصرة وهجر ، وقوله : " ويأتي بجزيتها " أي يأتي بجزية أهلها ، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس ، ففيه تقوية للحديث الذي تقدم . ومن ثم ترجم عليه النسائي " أخذ الجزية من المجوس " وذكر ابن سعد " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل الفرس على البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم ، وصالح مجوس تلك البلاد " قوله : ( وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . . إلخ ) كان ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة قوله : ( إلى أكيدر ) بضم الهمزة تصغير أكدر ، قال في التلخيص : إن ثبت أن أكيدر كان كنديا ففيه دليل على أن الجزية لا تختص بالعجم من أهل الكتاب ; لأن أكيدرا كان عربيا ا . هـ .

قوله : ( صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل نجران ) . . . إلخ هذا المال الذي وقعت عليه المصالحة هو في الحقيقة جزية ، ولكن ما كان مأخوذا على هذه الصفة يختص بذوي الشوكة فيؤخذ ذلك المقدار من أموالهم ولا يضربه الإمام على رءوسهم قوله : ( إن كان باليمن كيد ذات غدر ) إنما أنث الكيد هنا لأنه أراد به الحرب ، ولفظ الجامع " كيد إذا بغدر " وفي الإرشاد " كيد أو غدر " وهكذا لفظ أبي داود قوله : ( ولا يخرج لهم قس ) بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ، قال في القاموس : وهو رئيس النصارى في العلم قوله : ( أو يأكلوا الربا ) زاد أبو داود " قال إسماعيل : قد أكلوا الربا "



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث