الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منع أهل الذمة من سكنى الحجاز

جزء التالي صفحة
السابق

باب منع أهل الذمة من سكنى الحجاز

3488 - ( عن ابن عباس قال : { اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم } ، ونسيت الثالثة . متفق عليه ، والشك من سليمان الأحول ) .

3489 - ( وعن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : { لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما } رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه ) .

3490 - ( وعن عائشة قالت : آخر ما عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : { لا يترك بجزيرة العرب دينان } ) .

3491 - ( وعن أبي عبيدة بن الجراح قال : آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب } رواهما أحمد ) .

[ ص: 73 ] وعن ابن عمر أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وذكر يهود خيبر إلى أن قال : أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء . رواه البخاري ) .

التالي السابق


حديث عائشة قد قدمنا أنه رواه أحمد في مسنده من طريق ابن إسحاق قال : حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها .

وحديث أبي عبيدة أخرجه أيضا البيهقي وهو في مسند مسدد وفي مسند الحميدي أيضا قوله : ( من جزيرة العرب ) قال الأصمعي : جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ، ومن جدة وما والاها من أطراف الشام عرضا ، وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها ، يعني بحر الهند وبحر فارس والحبشة وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم . قال في القاموس : وجزيرة العرب ما أحاط بها بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات ، أو ما بين عدن إلى أطراف الشام طولا ، ومن جدة إلى ريف العراق عرضا انتهى .

وظاهر حديث ابن عباس أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ، ويؤيد هذا ما في حديث عائشة المذكور بلفظ { لا يترك بجزيرة العرب دينان } وكذلك حديث عمر وأبي عبيدة بن الجراح لتصريحهما بإخراج اليهود والنصارى . وبهذا يعرف أن ما وقع في بعض ألفاظ الحديث من الاقتصار على الأمر بإخراج اليهود لا ينافي الأمر العام ، لما تقرر في الأصول أن التنصيص على بعض أفراد العام لا يكون مخصصا للعام المصرح به في لفظ آخر وما نحن فيه من ذلك قوله : ( ونسيت الثالثة ) قيل هي تجهيز أسامة ، وقيل : يحتمل أنها قوله - صلى الله عليه وسلم - { لا تتخذوا قبري وثنا } وفي الموطأ ما يشير إلى ذلك .

وظاهر الحديث أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل في جزيرة العرب وحكى الحافظ في الفتح في كتاب الجهاد عن الجمهور أن الذي يمنع منه المشركون من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة ، قال : وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب قال : وعن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد . وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة . وقال الشافعي : لا يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين انتهى .

قال ابن عبد البر في الاستذكار ما لفظه : قال الشافعي : جزيرة العرب التي أخرج عمر اليهود والنصارى منها مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها . فأما اليمن فليس من جزيرة العرب انتهى . قال في البحر : مسألة : ولا يجوز إقرارهم في الحجاز إذ أوصى - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أشياء : إخراجهم من جزيرة العرب الخبر ونحوه ، [ ص: 74 ] والمراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ووج والطائف وما ينسب إليهما ، وسمي الحجاز حجازا لحجزه بين نجد وتهامة ثم حكى كلام الأصمعي السابق ، ثم حكى عن أبي عبيدة أنه قال : جزيرة العرب هي ما بين حفر أبي موسى وهو قريب من البصرة إلى أقصى اليمن طولا ، وما بين يبرين إلى السماوة عرضا ، ثم قال لنا : ما روى أبو عبيدة : إن آخر ما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - { أخرجوا اليهود من جزيرة العرب } الخبر " وأجلى عمر أهل الذمة من الحجاز فلحق بعضهم بالشام وبعضهم بالكوفة وأجلى أبو بكر قوما فلحقوا بخيبر " فاقتضى أن المراد الحجاز لا غير انتهى .

ولا يخفى أنه لو كان حديث أبي عبيدة باللفظ الذي ذكره لم يدل على أن المراد بجزيرة العرب هو الحجاز فقط ، ولكنه باللفظ الذي ذكره المصنف فيكون دليلا لتخصيص جزيرة العرب بالحجاز ، وفيه ما سيأتي . قال المهدي في الغيث ناقلا عن الشفاء للأمير الحسين : إنما قلنا بجواز تقريرهم في غير الحجاز ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال : " أخرجوهم من جزيرة العرب " ثم قال : " أخرجوهم من الحجاز " عرفنا أن مقصوده بجزيرة العرب الحجاز فقط ، ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا برعاية أن المصلحة في إخراجهم منه أقوى ، فوجب مراعاة المصلحة إذا كانت في تقريرهم أقوى منها في إخراجهم انتهى .

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة : منها : أن حمل جزيرة العرب على الحجاز وإن صح مجازا من إطلاق اسم الكل على البعض فهو معارض بالقلب ، وهو أن يقال المراد بالحجاز جزيرة العرب ، إما لانحجازها بالأبحار كانحجازها بالحرار الخمس ، وإما مجازا من إطلاق اسم الجزء على الكل ، فترجيح أحد المجازين مفتقر إلى دليل ، ولا دليل إلا ما ادعاه من فهم أحد المجازين .

ومنها : أن في خبر جزيرة العرب زيادة لم تغير حكم الخبر ، والزيادة كذلك مقبولة . ومنها : أن استنباط كون علة التقرير في غير الحجاز هي المصلحة . فرع ثبوت الحكم أعني التقرير لما علم من أن المستنبطة إنما تؤخذ من حكم الأصل بعد ثبوته ، والدليل لم يدل إلا على نفي التقرير لا ثبوته لما تقدم في حديث { المسلم والكافر لا تتراءى ناراهما } . وحديث { لا يترك بجزيرة العرب دينان } ونحوهما . فهذا الاستنباط واقع في مقابلة النص المصرح فيه بأن العلة كراهة اجتماع دينين . فلو فرضنا أنه لم يقع النص إلا على إخراجهم من الحجاز لكان المتعين إلحاق بقية جزيرة العرب به لهذه العلة فكيف والنص الصحيح مصرح بالإخراج من جزيرة العرب ؟ .

وأيضا هذا الحديث الذي فيه الأمر بالإخراج من الحجاز فيه الأمر بإخراج أهل نجران كما وقع في حديث الباب ، وليس نجران من الحجاز ، فلو كان لفظ الحجاز مخصصا للفظ جزيرة العرب على انفراده أو دالا على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط لكان في ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض وإنه باطل . وأيضا [ ص: 75 ] غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز مفهومه معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب ، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق فكيف يرجح عليه ؟ .

فإن قلت : فهل يخصص لفظ جزيرة العرب المنزل منزلة العام لما له من الإجزاء بلفظ الحجاز عند من جوز التخصيص بالمفهوم . قلت : هذا المفهوم من مفاهيم اللقب وهو غير معمول به عند المحققين من أئمة الأصول حتى قيل إنه لم يقل به إلا الدقاق وقد تقرر عند فحول أهل الأصول أن ما كان من هذا القبيل يجعل من قبيل التنصيص على بعض الأفراد لا من قبيل التخصيص ، إلا عند أبي ثور قوله : ( أهل الحجاز ) قال في القاموس : والحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها ; لأنها حجزت بين نجد وتهامة ، أو بين نجد والسراة ، أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس ، حرة بني سليم وواقم وليلى وشوران والنار انتهى



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث