الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في بداءتهم بالتحية وعيادتهم

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في بداءتهم بالتحية وعيادتهم 3493 - ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها } متفق عليه ) .

3494 - ( وعن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم } متفق عليه ، وفي رواية لأحمد " فقولوا : عليكم " بغير واو ) .

3495 - ( وعن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { إن اليهود إذا سلم أحدهم إنما يقول : السام عليكم ، فقل : عليك } متفق عليه .

وفي رواية لأحمد ومسلم " وعليك " بالواو ) .

3496 - ( وعن عائشة قالت : { دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السام عليك ، قالت عائشة : ففهمتها ، فقلت : عليكم السام واللعنة ، قالت : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مهلا يا عائشة ، إن الله يحب الرفق في الأمر كله ، فقلت : يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا ؟ فقال : قد قلت : وعليكم } متفق عليه .

وفي لفظ " عليكم " أخرجاه ) .

[ ص: 76 ] ( وعن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدءوهم بالسلام ، وإذا سلموا عليكم فقولوا : وعليكم } رواه أحمد )

التالي السابق


قوله : ( لا تبدءوا اليهود . . . إلخ ) فيه تحريم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام ، وقد حكاه النووي عن عامة السلف وأكثر العلماء . قال : وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام ، روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز ، وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي ، لكنه قال : يقول السلام عليك ولا يقول عليكم بالجمع ، واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث الواردة في إفشاء السلام ، وهو من ترجيح العمل بالعام على الخاص . وذلك مخالف لما تقرر عند جميع المحققين ، ولا شك أن هذا الحديث الوارد في النهي عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام أخص منها مطلقا والمصير إلى بناء العام على الخاص واجب . وقال بعض أصحاب الشافعي : يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم وهو مصير إلى معنى النهي المجازي بلا قرينة صارفة إليه . وحكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة وهو قول علقمة والنخعي وروي عن الأوزاعي أنه قال : إن سلمت فقد سلم الصالحون ، وإن تركت فقد ترك الصالحون قوله : ( وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها ) أي ألجئوهم إلى المكان الضيق منها .

وفيه دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يترك للذمي صدر الطريق ، وذلك نوع من إنزال الصغار بهم والإذلال لهم قال النووي : وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار ونحوه



قوله : ( فقولوا وعليكم ) في الرواية الأخرى " فقولوا عليكم " وفي الرواية الثالثة " فقل عليك " فيه دليل على أنه يرد على أهل الكتاب إذا وقع منهم الابتداء بالسلام ، ويكون الرد بإثبات الواو وبدونها ، وبصيغة المفرد والجمع وكذا يرد عليهم لو قالوا السام بحذف اللام وهو عندهم الموت .

قال النووي في شرح مسلم : اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم : وعليكم السلام ، بل يقال : عليكم ، أو وعليكم ، فقد جاءت الأحاديث بإثبات الواو وحذفها ، وأكثر الروايات بإثباتها . قال : وعلى هذا في معناه وجهان : أحدهما : أنه على ظاهره فقالوا : عليكم الموت ، فقال : وعليكم أيضا : أي نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت . والثاني : أن الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك ، وتقديره وعليكم ما تستحقونه من الذم ، وأما من حذف الواو فتقديره بل عليكم السام . قال القاضي : اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو ، فتقديره بل عليكم السام . وقال غيره بإثباتها . قال : وقال بعضهم : يقول عليكم السلام بكسر السين : [ ص: 77 ] أي الحجارة وهذا ضعيف .

قال الخطابي : عامة المحدثين يروون هذا الحرف " وعليكم " بالواو ، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو ، وقال : وهذا هو الصواب ; لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودا عليهم خاصة ، وإذا ثبت الواو اقتضى الشركة معهم فيما قالوه . قال النووي : والصواب أن إثبات الواو جائز كما صحت به الروايات ، وأن الواو أجود ولا مفسدة فيه لأن السام الموت وهو علينا وعليهم فلا ضرر في المجيء بالواو . وحكى النووي بعد أن حكى الإجماع المتقدم عن طائفة من العلماء أنه لا يرد على أهل الكتاب السلام .

قال : ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك وحكى الماوردي عن بعض أصحاب الشافعي أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم وعليكم السلام ، ولكن لا يقول ورحمة الله . قال النووي : وهو ضعيف مخالف للأحاديث . قال : ويجوز الابتداء على جمع فيهم مسلمون وكفار أو مسلم وكافر ، يقصد المسلمين للحديث الثابت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - { سلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين } قوله : ( إن الله يحب الرفق في الأمر كله ) هذا من عظيم خلقه - صلى الله عليه وسلم - وكمال حلمه .

وفيه حث على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة .

وفي الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم يترتب عليه مفسدة قال الشافعي : الكيس العاقل : هو الفطن المتغافل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث