الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحث على الرمي

جزء التالي صفحة
السابق

باب الحث على الرمي

3527 - ( عن سلمة بن الأكوع قال : { مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ينتضلون بالسوق ، فقال : ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ، ارموا وأنا [ ص: 95 ] مع بني فلان ، قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما لكم لا ترمون ؟ قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال : ارموا وأنا معكم كلكم } رواه أحمد والبخاري ) .

التالي السابق


قوله : ( ينتضلون ) بالضاد المعجمة : أي يترامون

والنضال : الترامي للسبق ونضل ، فلان فلانا : إذا غلبه . وقال في القاموس : نضله مناضلة ونضالا ونيضالا : باراه في الرمي ونضلته : سبقته فيه ، قوله : ( وأنا مع بني فلان ) في حديث أبي هريرة عند ابن حبان والبزار في مثل هذه القصة ، وأنا مع ابن الأدرع ا واسم ابن الأدرع محجن .

وعند الطبراني من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في هذا الحديث " وأنا مع محجن بن الأدرع " وقيل اسمه سلمة حكاه ابن منده . قال : والأدرع لقب واسمه ذكوان قوله : ( قالوا كيف نرمي وأنت معهم ؟ ) ذكر ابن إسحاق في المغازي عن سفيان بن فروة الأسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة قال : " بينا محجن بن الأدرع يناضل رجلا من أسلم يقال له نضلة " فذكر الحديث وفيه " فقال نضلة : وألقى قوسه من يده والله لا أرمي معه وأنت معه " قوله : ( وأنا معكم كلكم ) بكسر اللام تأكيد للضمير .

وفي رواية " وأنا مع جماعتكم " والمراد بالمعية معية القصد إلى الخير . ويحتمل أن يكون قام مقام المحلل فيخرج السبق من عنده أو لا يخرج ، وقد خصه بعضهم بالإمام .

وفي رواية للطبراني أنهم قالوا : " من كنت معه فقد غلب " وكذا في رواية ابن إسحاق ، فهذه هي علة الامتناع .

وفي الحديث الندب إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها ، وفيه أيضا حسن أدب الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسن خلقه والتنويه بفضيلة الرمي .

3528 - ( وعن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول { { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي } ) .

3529 - ( وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من علم الرمي ثم تركه فليس منا } رواهما أحمد ومسلم ) . قوله : ( ألا إن القوة الرمي ) قال القرطبي : إنما فسر القوة بالرمي وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة له ; [ ص: 96 ] لأنه قد يرمى رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه ا هـ .

وكرر ذلك للترغيب في تعلمه وإعداد آلاته .

وفيه دليل على مشروعية الاشتغال بتعلم آلات الجهاد والتمرن فيها والعناية في إعدادها ليتمرن بذلك على الجهاد ويتدرب فيه ، ويروض أعضاءه قوله : ( فليس منا ) قد تقدم الكلام على تأويل مثل هذه العبارة في مواضع .

وفي ذلك إشعار بأن من أدرك نوعا من أنواع القتال التي ينتفع بها في الجهاد في سبيل الله ثم تساهل في ذلك حتى تركه كان آثما إثما شديدا ; لأن ترك العناية بذلك يدل على ترك العناية بأمر الجهاد ، وترك العناية بالجهاد يدل على ترك العناية بالدين لكونه سنامه وبه قام .

3530 - ( وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير ، والذي يجهز به في سبيل الله ، والذي يرمي به في سبيل الله - وقال - : ارموا واركبوا ، فإن ترموا خير لكم من أن تركبوا ، - وقال - : كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثا : رميه عن قوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله فإنهن من الحق } رواه الخمسة ) .

3531 - ( وعن علي عليه السلام قال : { كانت بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوس عربية ، فرأى رجلا بيده قوس فارسية ، فقال : ما هذه ؟ ألقها وعليك بهذه وأشباهها ورماح القنا ، فإنهما يؤيد الله بهما في الدين ، ويمكن لكم في البلاد } رواه ابن ماجه ) .

3532 - ( وعن عمرو بن عبسة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : { من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر } رواه الخمسة وصححه الترمذي . ولفظ أبي داود : { من بلغ العدو بسهم في سبيل الله فله درجة } وفي لفظ للنسائي { من رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة } ) . الحديث الأول في إسناده خالد بن زيد أو ابن يزيد وفيه مقال ، وبقية رجاله ثقات . وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من غير طريقه . وأخرجه أيضا ابن حبان ، وزاد أبو داود " ومن ترك الرمي بعدما علمه فإنها نعمة تركها " وحديث علي في إسناده أشعث بن [ ص: 97 ] سعيد السمان أبو الربيع النضري وهو متروك . وقد ورد في الترغيب في الرمي أحاديث كثيرة غير ما ذكره المصنف رحمه الله. منها ما أخرجه صاحب مسند الفردوس من طريق ابن أبي الدنيا بإسناده عن مكحول عن أبي هريرة رفعه { تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة } وفي إسناده ضعف وانقطاع .

وأخرج البيهقي من حديث جابر { وجبت محبتي على من سعى بين الغرضين } وأخرج الطبراني عن أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة } وروى البيهقي من حديث أبي رافع { حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي } وإسناده ضعيف قوله : ( يدخل بالسهم الواحد . . . إلخ ) فيه دليل على أن العمل في آلات الجهاد وإصلاحها وإعدادها كالجهاد في استحقاق فاعله الجنة ، ولكن بشرط أن يكون ذلك لمحض التقرب إلى الله بإعانة المجاهدين ، ولهذا قال الذي يحتسب في صنعته الخير .

وأما من يصنع ذلك لما يعطاه من الأجرة فهو من المشغولين بعمل الدنيا لا بعمل الآخرة ، نعم يثاب مع صلاح النية كمن يعمل بالأجرة التي يستغني بها عن الناس أو يعول بها قرابته ، ولهذا ثبت في الصحيح { إن الرجل يؤجر حتى على اللقمة يضعها في فم امرأته } قوله : ( والذي يجهز به في سبيل الله ) أي الذي يعطي السهم مجاهدا يجاهد به في سبيل الله قوله : ( فإن ترموا خير لكم . . . إلخ ) فيه تصريح بأن الرمي أفضل من الركوب ، ولعل ذلك لشدة نكايته في العدو في كل موطن يقوم فيه القتال ، وفي جميع الأوقات بخلاف الخيل فإنها لا تقابل إلا في المواطن التي يمكن فيها الجولان دون المواضع التي فيها صعوبة لا تتمكن الخيل من الجريان فيها .

وكذلك المعاقل والحصون قوله : ( كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل . . . إلخ ) فيه أن ما صدق عليه مسمى اللهو داخل حيز البطلان إلا تلك الثلاثة الأمور ، فإنها وإن كانت في صورة اللهو فهي طاعات مقربة إلى الله عز وجل مع الالتفات إلى ما يترتب على ذلك الفعل من النفع الديني قوله : ( ما هذه ؟ ألقها ) فيه دليل على كراهة القوس العجمية واستحباب ملازمة القوس العربية للعلة التي ذكرها - صلى الله عليه وسلم - من أن الله يؤيد بها وبرماح القنا الدين ويمكن للمسلمين في البلاد ، وقد كان ذلك ، فإن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا أراضي العجم كالروم وفارس وغيرهما ومعظم سلاحهم تلك السهام والرماح قوله : ( فهو عدل محرر ) أي محرر من رق العذاب الواقع على أعداء الدين أو عدل ثواب محرر من الرق : أي ثواب من أعتق عبدا قوله : ( بلغ العدو أو لم يبلغ ) في هذا دليل على أن الأجر يحصل لمن رمى بسهم في سبيل الله بمجرد الرمي سواء أصاب بذلك السهم أو لم يصب ، وسواء بلغ إلى جيش العدو أو لم يبلغ من الله جل جلاله على عباده لجلالة هذه القربة العظيمة الشأن التي هي لأصل الإسلام أعظم أس وبنيان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث