الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              القول في شبههم المعنوية ، وهي ست :

              الأولى : قول الشيعة والتعليمية : إن الاختلاف ليس من دين الله ، ودين الله واحد ليس بمختلف ، وفي رد الخلق إلى الظنون ما يوجب الاختلاف ضرورة ، والرأي منبع الخلاف ; فإن كان كل مجتهد مصيبا فكيف يكون الشيء ، ونقيضه دينا ؟ وإن كان المصيب واحدا فهو محال ، إذ ظن هذا كظن ذاك ، والظنيات لا دليل فيها بل ترجع إلى ميل النفوس ، ورب كلام تميل إليه نفس زيد ، وهو بعينه ينفر عنه قلب عمرو ، والدليل على ذم الاختلاف قوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } .

              وقال : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } ، وقال : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ، وقال تعالى : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } ، وقال تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } ، وكذلك ذم الصحابة رضي الله عنهم الاختلاف فقال عمر رضي الله عنه : " لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا " ، وسمع ابن مسعود ، وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد ، والثوبين ، فصعد عمر المنبر ، وقال : " اختلف رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون ؟ لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت " ، وقال جرير بن كليب : رأيت عمر ينهى عن المتعة ، وعلي يأمر بها فقلت : إن بينكما لشرا ، فقال علي : ما بيننا إلا خير ، ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين . ، وكتب علي رضي الله عنه إلى قضاته أيام الخلافة : أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف ، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي ، والجواب : أن الذي نراه تصويب المجتهدين ، وقولهم إن الشيء ، ونقيضه كيف يكون دينا ؟ قلنا يجوز ذلك في حق [ ص: 297 ] شخصين كالصلاة ، وتركها في حق الحائض ، والطاهر ، والقبلة في حق من يظنها إذا اختلف الاجتهاد في القبلة ، وكجواز ركوب البحر ، وتحريمه في حق رجلين يغلب على ظن أحدهما السلامة ، وعلى ظن الآخر الهلاك ، وكتصديق الراوي ، والشاهد ، وتكذيبهما في حق قاضيين ، ومفتيين يظن أحدهما الصدق ، والآخر الكذب ، وأما قولهم كيف يكون الاختلاف مأمورا به ؟ قلنا : بل يؤمر المجتهد بظنه ، وإن خالفه غيره ، فليس رفعه داخلا تحت اختياره ، فالاختلاف واقع ضرورة لا أنه أمر به .

              وقوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } معناه التناقض ، والكذب الذي يدعيه الملحدة أو الاختلاف في البلاغة واضطراب اللفظ الذي يتطرق إلى كلام البشر بسبب اختلاف أحواله في نظمه ، ونثره ، وليس المراد به نفي الاختلاف في الأحكام ; لأن جميع الشرائع ، والملل من عند الله ، وهي مختلفة ، والقرآن فيه أمر ، ونهي ، وإباحة ، ووعد ، ووعيد ، وأمثال ، ومواعظ ، وهذه اختلافات .

              أما قوله : ولا تفرقوا ولا تنازعوا فكل ذلك نهي عن الاختلاف في التوحيد ، والإيمان بالنبي عليه السلام ، والقيام بنصرته ، وكذلك أصول جميع الديانات التي الحق فيها واحد ، ولذلك قال تعالى : { من بعد ما جاءهم البينات } وقوله تعالى : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } أراد به التخاذل عن نصرة الدين .

              ، وأما ما رووه عن الصحابة رضي الله عنهم في ذم الاختلاف فكيف يصح ، وهم أول المختلفين ، والمجتهدين ؟ واختلافهم واجتهادهم معلوم تواترا كيف تدفعها روايات يتطرق إلى سندها ضعف ، وإلى متنها تأويل من النهي عن الاختلاف في أصل الدين أو نصرة الدين أو في أمر الخلافة ، والإمامة ، والخلاف بعد الإجماع أو الاختلاف على الأئمة ، والولاة ، والقضاة أو نهي العوام عن الاختلاف بالرأي ، وليسوا أهل الاجتهاد .

              وأما إنكار عمر اختلاف ابن مسعود ، وأبي بن كعب فلعله قد كان سبق إجماع على ثوب واحد ، ومن خالف ظن أن انقضاء العصر شرط في الإجماع ، ولذلك قال عمر : عن أي فتياكم يصدر المسلمون ؟ وأنتم جميعا تروون عن النبي عليه السلام أو لعل كل واحد أثم صاحبه ، وبالغ فيه .

              فنهى عن وجه الاختلاف لا عن أصله ، أو لعلهما اختلفا على مستفت واحد فتحير السائل ، فقال : عن أي فتياكم يصدر الناس ؟ أي : العامة ، بل إذا ذكر المفتي في محل الاجتهاد شيئا فلا ينبغي للمفتي الآخر أن يخالفه بين يديه ، فيتحير السائل .

              وأما اختلاف عمر ، وعلي رضي الله عنهما في تحريم المتعة فلا يصح عن علي نقله تحريم متعة النساء ، ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كيف ، وقد علم قطعا أنهم جوزوا الاجتهاد ؟ أما كتاب علي إلى قضاته ، وكراهية الاختلاف ، فيحتمل وجوها أحدها : أنهم ربما كتبوا إليه يطلبون رأيه في بعض الوقائع فقال : اقضوا كما كنتم تقضون إذ لو خالفتموهم الآن لا نفتق به فتقا آخر ، وحمل ذلك على تعصب مني ، ومخالفة ، ويحتمل أنهم استأذنوه في مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ظن أن العصر لم ينقرض بعد ، فيجوز الخلاف فكره لهم مخالفة السابقين ، واستأذنوه في القضاء بشهادة أهل البصرة من الخوارج ، وغيرهم أو ردها فأمرهم بقبولها كما كان قبل الحرب ; لأنهم حاربوا على تأويل ، وفي رد شهادتهم تعصب ، وتجديد خلاف . [ ص: 298 ]

              التالي السابق


              الخدمات العلمية