الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

البحث الثاني الاستصحاب

أي : استصحاب الحال لأمر وجودي ، أو عدمي ، عقلي ، أو شرعي .

[ ص: 680 ] ومعناه أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل ، مأخوذ من المصاحبة ، وهو بقاء ذلك الأمر ما لم يوجد ما يغيره ، فيقال : الحكم الفلاني قد كان فيما مضى ، وكلما كان فيما مضى ، ولم يظن عدمه ; فهو مظنون البقاء .

قال الخوارزمي في الكافي : وهو آخر مدار الفتوى ، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة ، يطلب حكمها في الكتاب ، ثم في السنة ، ثم في الإجماع ، ثم في القياس ، فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات ، فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه ، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته انتهى .

واختلفوا هل هو حجة عند عدم الدليل على أقوال :

( الأول ) : أنه حجة ، وبه قالت الحنابلة ، والمالكية ، وأكثر الشافعية ، والظاهرية ، سواء كان في النفي أو الإثبات ، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثرين .

( الثاني ) : أنه ليس بحجة ، وإليه ذهب أكثر الحنفية ، والمتكلمين ، كأبي الحسين البصري ، قالوا : لأن الثبوت في الزمان الأول يفتقر إلى الدليل ، فكذلك في الزمان الثاني ; لأنه يجوز أن يكون وأن لا يكون ، وهذا خاص عندهم بالشرعيات ، بخلاف الحسيات ، فإن الله سبحانه أجرى العادة فيها بذلك ، ولم يجر العادة به في الشرعيات ، فلا تلحق بالحسيات .

ومنهم من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر الوجودي .

ومنهم من نقل عنه الخلاف مطلقا .

قال الصفي الهندي : وهو يقتضي تحقق الخلاف في الوجودي والعدمي جميعا ، لكنه بعيد ، إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة .

قال الزركشي : والمنقول في كتب أكثر الحنفية أنه لا يصلح حجة على الغير ، ولكن [ ص: 681 ] يصلح للرفع والدفع .

وقال أكثر المتأخرين منهم : إنه حجة لإبقاء ما كان ، ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن ( وذلك كحياة المفقود ، فإنه لما كان الظاهر بقاءها ; صلح حجة لإبقاء ما كان ، فلا يورث ماله ، ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن فلا يرث عن أقاربه ) .

( الثالث ) : أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله - عز وجل - فإنه لم يكلف إلا ما يدخل تحت مقدوره ، فإذا لم يجد دليلا سواه ، جاز له التمسك به ، ولا يكون حجة على الخصم عند المناظرة ، فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله : لم أجد دليلا على هذا ; لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل .

( الرابع ) : أنه يصلح حجة للدفع لا للرفع ، وإليه ذهب أكثر الحنفية ، قال إلكيا : ويعبرون عن هذا بأن استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان ; إحالة على عدم الدليل ، لا لإثبات أمر لم يكن ، وقد قدمنا أن هذا قول أكثر المتأخرين منهم .

( الخامس ) : أنه يجوز الترجيح به لا غير ، نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي ، وقال : إنه الذي يصح عنه ، لا أنه يحتج به .

( السادس ) : أن المستصحب إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه ، صح ذلك ، وإن كان غرضه إثبات خلاف قول خصمه ، من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فلا يصح . حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي ، عن بعض أصحاب الشافعي .

قال الزركشي : لا بد من تنقيح موضع الخلاف ، فإن أكثر الناس يطلقه ، ويشتبه عليهم موضع النزاع ، فنقول للاستصحاب صور :

( إحداها ) : استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه ، كالملك عند جريان القول المقتضي له ، وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ، ودوام الحل في المنكوحة بعد تقرير النكاح ، فهذا لا خلاف في وجوب العمل به إلى أن يثبت معارض .

قال : ( الثانية ) : استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية ، كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره ، كنفي صلاة سادسة .

قال القاضي أبو الطيب : وهذا حجة بالإجماع أي من القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع .

[ ص: 682 ] فإن : ( الثالثة ) : استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة ، فإن عندهم أن العقل يحكم في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي ، وهذا لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا يجوز العمل به ; لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات .

قال : ( الرابعة ) : استصحاب الدليل ، مع احتمال المعارض ، إما تخصيصا إن كان الدليل ظاهرا ، أو نسخا إن كان الدليل نصا ، فهذا أمر معمول به بالإجماع .

وقد اختلف في تسمية هذا النوع بالاستصحاب ، فأثبته جمهور الأصوليين ، ومنعه المحققون ، منهم إمام الحرمين في البرهان ، وإلكيا في تعليقه ، وابن السمعاني في " القواطع " ; لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ ، لا من ناحية الاستصحاب .

قال : ( الخامسة ) : الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع وهو راجع إلى الحكم الشرعي ، بأن يتفق على حكم في حالة ، ثم تتغير صفة المجمع عليه ، فيختلفون فيه ، فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال .

مثاله : إذا استدل من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته ; لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك ، فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة .

وكقول الظاهرية يجوز بيع أم الولد ; لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد ، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد .

وهذا النوع هو محل الخلاف ، كما قاله في القواطع وهكذا فرض أئمتنا الأصوليون الخلاف فيها ، فذهب الأكثرون منهم القاضي ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وابن الصباغ ، والغزالي ، إلى أنه ليس بحجة .

قال الأستاذ أبو منصور : وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف .

وقال الماوردي ، والروياني ، في كتاب القضاء : إنه قول الشافعي وجمهور العلماء ، فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب ، بل إن اقتضى القياس أو غيره إلحاقه بما قبل ألحق به وإلا فلا .

[ ص: 683 ] قال : وذهب أبو ثور ، وداود الظاهري إلى الاحتجاج به ، ونقله ابن السمعاني عن المزني ، وابن سريج ، والصيرفي ، وابن خيران ، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي الحسين بن القطان ، قال : واختاره الآمدي ، وابن الحاجب .

قال سليم الرازي في التقريب : إنه الذي ذهب إليه شيوخ أصحابنا ، فيستصحب حكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه انتهى .

والقول الثاني : هو الراجح ; لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل ، قائم في مقام المنع ، فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك ، فمن ادعاه جاء به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث