الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الكي

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الكي 3772 - ( عن جابر قال : { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه } . رواه أحمد ومسلم ) .

3773 - ( وعن جابر أيضا : { أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين } . [ ص: 235 ] رواه ابن ماجه ومسلم بمعناه ) .

3774 - ( وعن أنس : { أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة } . رواه الترمذي وقال : حديث حسن غريب ) .

3775 - ( وعن المغيرة عن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل } رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه )

3776 - ( وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنهى أمتي عن الكي } رواه أحمد والبخاري وابن ماجه ) .

3777 - ( وعن عمران بن حصين : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي فاكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن } . رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي وقال : فما أفلحنا ، ولا أنجحنا ) .

التالي السابق


حديث أنس أخرجه الترمذي من طريق حميد بن مسعدة ، حدثنا بريدة بن زريع ، أخبرنا معمر عن الزهري عن أنس وإسناده حسن كما قال ، وحديث المغيرة صححه أيضا ابن حبان والحاكم . قوله : ( فقطع منه عرقا ) استدل بذلك على أن الطبيب يداوي بما ترجح عنده ، قال ابن رسلان : وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالأخف لا ينتقل إلى ما فوقه ، فمتى أمكن التداوي بالغذاء لا ينتقل إلى الدواء ، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل إلى المركب ، ومتى أمكن بالدواء لا يعدل إلى الحجامة ، ومتى أمكن بالحجامة لا يعدل إلى قطع العرق .

وقد روى ابن عدي في الكامل من حديث عبد الله بن جواد " قطع العروق مسقمة " كما في الترمذي وابن ماجه " ترك العشاء مهرمة " وإنما كواه بعد القطع لينقطع الدم الخارج من العرق المقطوع قوله : ( كوى سعد بن معاذ ) الكي : هو أن يحمى حديد ويوضع على عضو معلول ليحرق ويحبس دمه ولا يخرج أو لينقطع العرق الذي خرج منه الدم ، وقد جاء النهي عن الكي ، وجاءت الرخصة فيه ، [ ص: 236 ] والرخصة لسعد لبيان جوازه حيث لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواء آخر ، وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواء آخر لأن الكي فيه تعذيب بالنار ، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وهو الله تعالى ، ولأن الكي يبقى منه أثر فاحش ، وهذان نوعان من أنواع الكي الأربعة وهما النهي عن الفعل وجوازه ، والثالث : الثناء على من تركه كحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة وقد تقدم ، والرابع : عدم محبته كحديث الصحيحين " وما أحب أن أكتوي " فعدم محبته يدل على أن الأولى عدم فعله ، والثناء على تركه يدل على أن تركه أولى ، فتبين أنه لا تعارض بين الأربعة . قال الشيخ أبو محمد بن حمزة : علم من مجموع كلامه في الكي أن فيه نفعا وأن فيه مضرة فلما نهى عنه علم أن جانب المضرة فيه أغلب ، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع ثم حرمها ; لأن المضار التي فيها أعظم من المنافع انتهى ملخصا قوله : ( من الشوكة ) هي داء معروف كما في القاموس ، قال في النهاية : هي حمرة تعلو الوجه والجسد يقال منه شيك فهو مشوك ، وكذلك إذا دخل ، في جسمه شوكة ومنه الحديث " وإذا شيك فلا انتقش " أي إذا شاكته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش .

قوله : ( فقد برئ من التوكل ) قال في الهدي : أحاديث الكي التي في هذا الباب قد تضمنت أربعة أشياء : أحدها : فعله ، ثانيها : عدم محبته ، ثالثها : الثناء على من تركه ، رابعها : النهي عنه ، ولا تعارض فيها بحمد الله فإن فعله يدل على جوازه وعدم محبته لا يدل على المنع منه ، والثناء على تاركيه يدل على أن تركه أفضل والنهي عنه إما على سبيل الاختيار من دون علة أو عن النوع الذي يحتاج معه إلى كي انتهى . وقيل الجمع بين هذه الأحاديث أن المنهي عنه هو الاكتواء ابتداء قبل حدوث العلة كما يفعله الأعاجم ، والمباح هو الاكتواء بعد حدوث العلة . قوله : ( في شرطة محجم ) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم . قوله : ( أو شربة عسل ) قال في الفتح : العسل يذكر ويؤنث وأسماؤه تزيد على المائة .

وفيه من المنافع ما لخصه الموفق البغدادي وغيره فقالوا : يجلي الأوساخ التي في العروق والأمعاء ويدفع الفضلات ويغسل المعدة ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح أفواه العروق ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة ، وفيه تحليل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية ، وفيه حفظ للمعجونات وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة وتنقية للكبد والصدر وإدرار البول والطمث ، وينفع للسعال الكائن من البلغم والأمزجة الباردة ، وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء . ثم هو غذاء من الأغذية ودواء من الأدوية وشراب من الأشربة وحلو من الحلاوات وطلاء من الأطلية ومفرح من المفرحات . ومن منافعه أنه إذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان ، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة [ ص: 237 ] الكلب ، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر ، وكذا الخيار والقرع والباذنجان والليمون ونحو ذلك ، وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصئبان وطول الشعر وحسنه ونعمه وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر ، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها .

وهو عجيب في حفظ جثة الموتى فلا يسرع إليها البلاء وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضرة ، ولم يكن يعول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه ولا ذكر للسكر في أكثر كتبهم أصلا . وقد أخرج أبو نعيم في الطب النبوي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه وابن ماجه بسند ضعيف من حديث جابر رفعه { من لعق العسل ثلاث غدوات من كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء } . قوله : ( وأنهى أمتي عن الكي ) قال النووي : هذا الحديث من بديع الطب عند أهله لأن الأمراض الامتلائية دموية أو صفراوية أو سوداوية أو بلغمية ، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم ، وإن كانت من الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال بالمسهل اللائق بكل خلط منها ، فكأنه نبه صلى الله عليه وسلم بالعسل على المسهلات وبالحجامة على إخراج الدم بها وبالفصد ووضع العلق وما في معناها ، وذكر الكي لأنه يستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة ونحوها ، فآخر الطب الكي .

والنهي عنه إشارة إلى تأخير العلاج بالكي حتى يضطر إليه ما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي قوله : ( نهى عن الكي فاكتوينا ) قال ابن رسلان : هذه الرواية فيها إشارة إلى أنه يباح الكي عند الضرورة بالابتلاء بالأمراض المزمنة التي لا ينجع فيها إلا الكي ويخاف الهلاك عند تركه ، ألا تراه كوى سعدا لما لم ينقطع الدم من جرحه وخاف عليه الهلاك من كثرة خروجه كما يكوى من تقطع يده أو رجله ، ونهى عمران بن حصين عن الكي لأنه كان به باسور وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه ، فتعين أن يكون النهي خاصا بمن به مرض مخوف . ولأن العرب كانوا يرون أن الشافي لما لا شفاء له بالدواء هو الكي ، ويعتقدون أن من لم يكتو هلك ، فنهاهم عنه لأجل هذه النية ، فإن الله تعالى هو الشافي .

قال ابن قتيبة : الكي جنسان كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه لم يتوكل من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه . والثاني كي الجرح إذا لم ينقطع دمه بإحراق ولا غيره ، والعضو إذا قطع ففي هذا الشفاء بتقدير الله ، وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجح ويجوز أن لا ينجح فإنه إلى الكراهة أقرب . وقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع كما تقدم .

قوله : ( فما أفلحن ولا أنجحن ) هكذا الرواية الصحيحة بنون الإناث فيهما ، يعني تلك الكيات التي اكتويناهن وخالفنا النبي صلى الله عليه وسلم في فعلهن وكيف يفلح أو ينجح شيء خولف فيه صاحب الشريعة ، وعلى هذا فالتقدير فاكتوينا كيات لأوجاع فما أفلحن ولا أنجحن ، [ ص: 238 ] وهو أولى من أن يكون المحذوف الفاعل على تقدير فما أفلحن الكيات ولا أنجحن ; لأن حذف المفعول الذي هو فضلة أقوى من حذف الفاعل الذي هو عمدة ورواية الترمذي كما ذكره المصنف رحمه اللهفيكون الفلاح والنجاح مسندا فيها إلى المتكلم ومن معه .

وفي رواية لابن ماجه " فما أفلحت ولا أنجحت " بسكون تاء التأنيث بعد الحاء المفتوحة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث