الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الحجامة وأوقاتها

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الحجامة وأوقاتها 3778 - ( عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة نار توافق الداء ، وما أحب أن أكتوي } متفق عليه ) .

3779 - ( وعن قتادة عن أنس قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل ، وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين } رواه الترمذي وقال : حديث حسن غريب ) .

3780 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء } رواه أبو داود ) .

3781 - ( وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين } رواه الترمذي وقال : حديث حسن غريب ) .

3782 - ( وعن أبي بكرة : { إنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ويزعم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوم الثلاثاء يوم الدم ، وفيه ساعة لا يرقأ . } رواه أبو داود ) .

3783 - ( وروي عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء لداء السنة } رواه حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وليس إسناده بذلك )

[ ص: 239 ] وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من احتجم يوم السبت أو يوم الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه } ذكره أحمد واحتج به . قال أبو داود : وقد أسند ولا يصح ، وكره إسحاق بن راهويه الحجامة يوم الجمعة والأربعاء والثلاثاء ، إلا إذا كان يوم الثلاثاء سبع عشرة من الشهر أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين ) .

التالي السابق


حديث أنس أخرجه أيضا ابن ماجه من وجه آخر وسنده ضعيف . والطريق التي رواها الترمذي منها هي ما في سننه قال : حدثنا عبد القدوس بن محمد ، حدثنا عمرو بن عاصم ، حدثنا همام وجرير بن حازم قالا : حدثنا قتادة عن أنس فذكره . وقال النووي عند الكلام على هذا الحديث : رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وصححه الحاكم أيضا ، ولكن ليس في حديث أبي داود المذكور الزيادة وهي قوله " وكان يحتجم لسبع عشرة . . . إلخ " وحديث أبي هريرة سكت عنه أبو داود والمنذري ، وهو من رواية سعيد بن عبد الرحمن بن عوف الجمحي عن سهيل بن أبي صالح وسعيد ، وثقه الأكثر ولينه بعضهم من قبل حفظه ، وله شاهد مذكور في الباب بعده . وحديث ابن عباس أخرجه أيضا أحمد ، قال الحافظ : ورجاله ثقات لكنه معلول انتهى ، وإسناده في سنن الترمذي هكذا : حدثنا عبد بن حميد ، أخبره النضر بن شميل ، حدثنا عباد بن منصور قال : سمعت عكرمة فذكره . وحديث أبي بكرة في إسناده أبو بكرة بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ، قال يحيى بن معين : ضعيف ليس حديثه بشيء . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم . وحديث معقل بن يسار أشار إليه الترمذي . وقد ضعف المصنف إسناده ، ولكن شهد له ما قبله . وقد أخرجه أيضا أبو رزين . وفي الباب عن ابن عمر عند ابن ماجه رفعه في أثناء حديث وفيه " فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء ، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة والسبت والأحد " أخرجه من طريقين ضعيفتين ، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضا عند الدارقطني في الإفراد ، وأخرجه بسند جيد عن ابن عمر موقوفا . ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة وإن كان الحديث لم يثبت . وحكي أن رجلا احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث . قال في الفتح : ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء . قال حنبل بن إسحاق : كان أحمد يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت . ومن أحاديث الباب في الحجامة حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن كان في شيء مما تداويتم به خير فالحجامة } أخرجه أبو داود وابن ماجه . وعن سلمى خادمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال احتجم ، ولا وجعا في رجليه إلا قال اخضبهما } أخرجه [ ص: 240 ] أبو داود والترمذي وابن ماجه . وقال الترمذي : حديث غريب إنما يعرف من حديث قائد ، وقائد هذا هو مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع ، وثقه يحيى بن معين ، وقال أحمد وأبو حاتم الرازي : لا بأس به ، وفي إسناده أيضا عبيد الله بن علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن معين : لا بأس به ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج بحديثه . وقد أخرجه الترمذي من حديث علي بن عبيد الله عن جدته وقال : وعبيد الله بن علي أصح ، وقال غيره : علي بن عبيد الله بن أبي رافع لا يعرف بحال ، ولم يذكره أحد من الأئمة في كتاب ، وذكر بعده حديث عبيد الله بن علي بن أبي رافع هذا الذي ذكرناه ، وقال : فانظر في اختلاف إسناده وتغير لفظه هل يجوز لمن يدعي السنة أو ينسب إلى العلم أن يحتج بهذا الحديث على هذا الحال ويتخذه سنة وحجة في خضاب اليد والرجل .

وعن جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على وركيه من وثء كان به } أخرجه أبو داود والنسائي ، والوثء بالمثلثة : الوجع قوله : ( أو لذعة بنار ) بذال معجمة ساكنة وعين مهملة . اللذع : هو الخفيف من حرق النار . وأما اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة فهو ضرب أو عض ذات السم ، وقد تقدم الكلام على حديث جابر هذا قريبا قوله : ( في الأخدعين ) قال أهل اللغة : الأخدعان : عرقان في جانبي العنق يحجم منه ، والكاهل : ما بين الكتفين وهو مقدم الظهر .

قال ابن القيم في الهدي : الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف إذا كان حدوث ذلك من كثرة الدم أو فساده أو منهما جميعا . قال : والحجامة لأهل الحجاز والبلاد الحارة لأن دماءهم رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد ، ولأن مسام أبدانهم واسعة ففي الفصد لهم خطر قوله : ( كان شفاء من كل داء ) هذا من العام المراد به الخصوص ، والمراد كان شفاء من كل داء سببه غلبة الدم ، وهذا الحديث موافق لما أجمعت عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر أنفع مما قبله ، وفي الربع الرابع أنفع مما قبله . قال صاحب القانون : أوقاتها في النهار الساعة الثانية أو الثالثة ، وتكره عندهم الحجامة على الشبع فربما أورثت سددا وأمراضا رديئة ، لا سيما إذا كان الغذاء رديئا غليظا . والحجامة على الريق دواء وعلى الشبع داء ، واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتراز من الأذى وحفظا للصحة .

وأما في مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها . قوله : ( إن يوم الثلاثاء يوم الدم ) أي يوم يكثر فيه الدم في الجسم قوله : ( وفيه ساعة لا يرقأ ) بهمز آخره أي لا ينقطع فيها دم من احتجم أو افتصد ، أو لا يسكن وربما يهلك الإنسان فيها بسبب عدم انقطاع الدم . وأخفيت هذه الساعة لتترك [ ص: 241 ] الحجامة في ذلك اليوم خوفا من مصادفة تلك الساعة كما أخفيت ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر ليجتهد المتعبد في جميع أوتاره ليصادف ليلة القدر ، وكما أخفيت ساعة الإجابة في يوم الجمعة .

وفي رواية رواها أبو رزين " لا تفتحوا الدم في سلطانه ولا تستعملوا الحديد في يوم سلطانه " وزاد أيضا " إذا صادف يوم سبع عشرة يوم الثلاثاء كان دواء السنة لمن احتجم فيه " .

وفي الحجامة منافع ، قال في الفتح : والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق ، وتنوب عن فصد الباسليق ، والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف والحلق وتنوب عن فصد القيفال ، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم وتنقي الرأس ، والحجامة على القدم تنوب عن فصد الصافن ، وهو عرق تحت الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين ، والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ، ومن النقرس والبواسير وداء الفيل وحكة الظهر ، ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادف وقت الاحتياج إليه ، والحجامة على المعدة تنفع الأمعاء وفساد الحيض انتهى .

قال أهل العلم بالفصد : فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ، ومن الشوصة وذات الجنب وسائر الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك ، وفصد الأكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا ، ولا سيما إن كان قد فسد ، وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا كثر الدم أو فسد ، وفصد الودجين لوجع الطحال والربو . قال أهل المعرفة : إن المخاطب بأحاديث الحجامة غير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم . وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال : إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم .

قال الطبري : وذلك لأنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوة جسده ، فلا ينبغي أن يزيده وهنا بإخراج الدم انتهى . وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه وعلى من لم يعتده . وقد قال ابن سينا في أرجوزته :

ومن يكن تعود الفصاده فلا يكن يقطع تلك العاده

ثم أشار إلى أنه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين . وقال ابن سينا في أبيات أخرى :

ووفر على الجسم الدماء فإنها     لصحة جسم من أجل الدعائم

قال الموفق البغدادي بعد أن ذكر الحجامة في نصف الشهر الآخر ثم في ربعه الرابع أنفع من أوله وآخره ، وذلك أن الأخلاط في أول الشهر وفي آخره تسكن ، فأولى ما [ ص: 242 ] يكون الاستفراغ في أثنائه .

والحاصل أن أحاديث التوقيت وإن لم يكن شيء منها على شرط الصحيح إلا أن المحكوم عليه بعدم الصحة إنما هو في ظاهر الأمر لا في الواقع فيمكن أن يكون الصحيح ضعيفا ، والضعيف صحيحا ; لأن الكذوب قد يصدق والصدوق قد يكذب ، فاجتناب ما أرشد الحديث الضعيف إلى اجتنابه ، واتباع ما أرشد إلى اتباعه من مثل هذه الأمور ينبغي لكل عارف ، وإنما الممنوع إثبات الأحكام التكليفية أو الوضعية أو نفيها بما هو كذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث