الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم .

أجمع المفسرون أنها في بني النضير ، إلا قولا للحسن أنها في بني قريظة ، ورد هذا القول بأن بني قريظة لم يخرجوا ، ولم يجلوا ولكن قتلوا .

وقد سميت هذه السورة بسورة " بني النضير " ، حكاه القرطبي عن ابن عباس .

قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : سورة " الحشر " قال : قل سورة " النضير " ، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون - عليه السلام - نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم .

واتفق المفسرون على أن بني النضير كانوا قد صالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي الذي نعته في التوراة ، لا ترد له راية ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة ، فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة ، فأخبر جبريل الرسول - صلى الله عليه وسلم بذلك - فأمر [ ص: 13 ] بقتل كعب ، فقتله محمد بن مسلمة غيلة ، وكان أخاه من الرضاعة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري منصرفه من بئر معونة ، فهموا بطرح الحجر عليه - صلى الله عليه وسلم - فعصمه الله تعالى .

ولما قتل كعب أمر - صلى الله عليه وسلم - بالمسيرة إليهم ، وطالبهم بالخروج من المدينة ، فاستمهلوه عشرة أيام ؛ ليتجهزوا للخروج ، ولكن أرسل إليهم عبد الله بن أبي سرا : لا تخرجوا من الحصن ، ووعدهم بنصرهم بألفي مقاتل من قومه ، ومساعدة بني قريظة وحلفائهم من غطفان ، أو الخروج معهم ، فدربوا أنفسهم ، وامتنعوا بالتحصينات الداخلية ، فحاصرهم - صلى الله عليه وسلم - إحدى وعشرين ليلة .

وقيل : أجمعوا على الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له : اخرج في ثلاثين من أصحابك ، ويخرج إليك ثلاثون منا ؛ ليسمعوا منك ، فإن صدقوا آمنا كلنا ففعل ، فقالوا : كيف نفهم ونحن ستون ؟ اخرج في ثلاثة ، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا ففعلوا فاشتملوا على الخناجر ، وأرادوا الفتك فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها ، وكان مسلما فأخبرته بما أرادوا ، فأسرع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فساره بخبرهم قبل أن يصل - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ، فقذف الله في قلوبهم الرعب ، وآيسوا من نصر المنافقين الذي وعدهم به ابن أبي ، فطلبوا الصلح فأبى عليهم - صلى الله عليه وسلم - إلا الجلاء ، على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع إلا الحلقة ، فكانوا يحملون كل ما استطاعوا ولو أبواب المنازل ، يخربون بيوتهم ويحملون ما استطاعوا معهم .

وقد أوردنا مجمل هذه القصة في سبب نزول هذه السورة ؛ لأن عليها تدور معاني هذه السورة كلها ، وكما قال الإمام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله - في رسالة أصول التفسير : إن معرفة السبب تعين على معرفة التفسير ، وليعلم المسلمون مدى ما جبل عليه اليهود من غدر ، وما سلكوا من أساليب المراوغة فما أشبه الليلة بالبارحة .

والذي من منهج الشيخ - رحمه الله - في الأضواء قوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ، حيث أسند إخراجهم إلى الله تعالى مع وجود حصار المسلمين إياهم .

وقد تقدم للشيخ - رحمه الله - نظيره عند قوله تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا [ ص: 14 ] [ 33 \ 25 ] ، قال - رحمه الله تعالى - عندها : ذكر جل وعلا أنه قومه الذين كفروا وكذبوا الآية ، ولم يبين السبب الذي ردهم به ، ولكنه جل وعلا بين ذلك بقوله : فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [ 33 \ 9 ] ا هـ .

وهنا أيضا في هذه الآية أسند إخراجهم إليه تعالى مع حصار المسلمين إياهم ، وقد بين تعالى السبب الحقيقي لإخراجهم في قوله تعالى : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ، وهذا من أهم أسباب إخراجهم ؛ لأنهم في موقف القوة وراء الحصون ، لم يتوقع المؤمنون خروجهم ، وظنوا هم أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقد كان هذا الإخراج من الله إياهم بوعد سابق من الله لرسوله في قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [ 2 \ 137 ] .

وبهذا الإخراج تحقق كفاية الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - منهم ، فقد كفاه إياهم بإخراجهم من ديارهم ، فكان إخراجهم حقا من الله تعالى ، وبوعد مسبق من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد أكد هذا بقوله تعالى مخاطبا للمسلمين في خصوصهم : فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير [ 59 \ 6 ] وتسليط الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو بما بين صلى الله عليه وسلم في قوله : " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وهو ما يتمشى مع قوله تعالى : وقذف في قلوبهم الرعب [ 33 \ 26 ] .

وجملة هذا السياق هنا يتفق مع السياق في سورة الأحزاب عن بني قريظة سواء بسواء ، وذلك في قوله تعالى : وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم [ 33 \ 26 - 27 ] ، وعليه ظهرت حقيقة إسناد إخراجهم لله تعالى ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب كما أنه هو تعالى الذي رد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، بما أرسل عليهم من الرياح ، والجنود ، وهو الذي كفى المؤمنين القتال ، وهو تعالى الذي أنزل بني قريظة من صياصيهم ، وورث المؤمنين ديارهم وأموالهم ، وكان الله على كل شيء قديرا .

ورشح لهذا كله التذييل في آخر الآية ، يطلب الاعتبار والاتعاظ بما فعل الله بهم : [ ص: 15 ] يا أولي الأبصار [ 59 \ 2 ] ، أي : بإخراج الذين كفروا من حصونهم ، وديارهم ومواطن قوتهم ، ما ظننتم أن يخرجوا ؛ لضعف اقتداركم ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم لقوتها ومنعتها ، ولكن أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فلم يستطيعوا البقاء ، وكانت حقيقة إخراجهم من ديارهم هي من الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث