الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الرقى والتمائم

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الرقى والتمائم 3785 - ( عن ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الرقى والتمائم والتولة شرك } رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه . والتولة : ضرب من السحر ، قال الأصمعي : هو تحبيب المرأة إلى زوجها ) .

3786 - ( وعن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من تعلق بتميمة فلا أتم الله له ، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له } رواه أحمد ) .

3787 - ( وعن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما أبالي ما ركبت أو ما أتيت إذا أنا شربت ترياقا أو علقت تميمة ، أو قلت الشعر من قبل نفسي } رواه أحمد وأبو داود وقال : هذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وقد رخص فيه قوم ، يعني الترياق ) .

3788 - ( وعن أنس قال : { رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة } . رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه ، والنملة : قروح تخرج في الجنب ) .

3789 - ( وعن الشفاء بنت عبد الله قالت : { دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال لي : ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة ؟ } رواه أحمد وأبو داود ، [ ص: 243 ] وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة ) .

3790 - ( وعن عوف بن مالك قال : { كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك } رواه مسلم وأبو داود ) .

3791 - ( وعن جابر قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى ، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا : يا رسول الله إنها كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى ، قال : فعرضوها عليه ، فقال : ما أرى بأسا ، فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل } رواه مسلم ) .

3792 - ( وعن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات ، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من يدي } . متفق عليه ) .

التالي السابق


حديث ابن مسعود أخرجه أيضا الحاكم وصححه . ، وصححه أيضا ابن حبان وهو من رواية ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عنها عن ابن مسعود ، قال المنذري : والراوي عن زينب مجهول . وحديث عقبة بن عامر قال في مجمع الزوائد : أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم ثقات انتهى .

وحديث عبد الله بن عمرو في إسناده عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي أفريقية ، قال البخاري : في حديثه مناكير . وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه نحو هذا ، وحديث الشفاء سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي المصيصي وهو ثقة . وقد أخرجه النسائي عن إبراهيم بن يعقوب عن علي بن المديني عن محمد بن بشر ثم بإسناد أبي داود .

قوله : ( إن الرقى ) بضم الراء وتخفيف القاف مع القصر جمع رقية كدمى جمع دمية . قوله : ( والتمائم ) جمع تميمة : وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يمنعون بها العين في زعمهم فأبطله الإسلام . قوله : ( والتولة ) بكسر التاء المثناة فوق وبفتح الواو المخففة ، قال الخليل : التولة بكسر التاء وضمها : شبيه بالسحر ، وقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود كما أخرجه الحاكم وابن حبان وصححاه { أنه دخل على امرأته وفي عنقها شيء معقود [ ص: 244 ] فجذبه فقطعه ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرقى والتمائم والتولة شرك } قالوا : يا أبا عبد الله هذه التمائم والرقى قد عرفناها فما التولة ؟ قال : شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن ، يعني من السحر . قيل : هي خيط يقرأ فيه من السحر أو قرطاس يكتب فيه شيء منه يتحبب به النساء إلى قلوب الرجال . أو الرجال إلى قلوب النساء

فأما ما تحبب به المرأة إلى زوجها من كلام مباح كما يسمى الغنج وكما تلبسه للزينة أو تطعمه من عقار مباح أكله أو أجزاء حيوان مأكول مما يعتقد أنه سبب إلى محبة زوجها لها لما أودع الله تعالى فيه من الخصيصة بتقدير الله لا أنه يفعل ذلك بذاته . قال ابن رسلان : فالظاهر أن هذا جائز لا أعرف الآن ما يمنعه في الشرع . قوله : ( شرك ) جعل هذه الثلاثة من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر بنفسه . قوله : ( فلا أتم الله له ) فيه الدعاء على من اعتقد في التمائم وعلقها على نفسه بضد قصده وهو عدم التمام لما قصده من التعليق ، وكذلك قوله : " فلا ودع الله له " فإنه دعاء على من فعل ذلك وودع ماضي يدع مثل وذر ماضي يذر .

قوله : ( أو ما أتيت ) بفتح الهمزة والتاء الأولى : أي لا أكثرت بشيء من أمر ديني ولا أهتم بما فعلته إن أنا فعلت هذه الثلاثة أو شيئا منها ، وهذه مبالغة عظيمة وتهديد شديد في فعل شيء من هذه الثلاثة : أي من فعل شيئا منها فهو غير مكترث بما يفعله ولا يبالي به هل هو حرام أو حلال ، وهذا وإن أضافا النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفسه فالمراد به إعلام غيره بالحكم . وقد سئل عن تعليق التمائم فقال : ذلك شرك . قوله : ( ترياقا ) بالتاء أو الدال أو الطاء في أوله مكسورات أو مضمومات ، فهذه ست لغات أرجحهن بمثناة مكسورة رومي معرب . والمراد به هنا ما كان مختلطا بلحوم الأفاعي يطرح منها رأسها وأذنابها ويستعمل أوساطها في الترياق وهو محرم لأنه نجس ، وإن اتخذ الترياق من أشياء طاهرة فهو طاهر لا بأس بأكله وشربه .

ورخص مالك فيما فيه شيء من لحوم الأفاعي لأنه يرى إباحة لحوم الحيات ، وأما إذا كان الترياق نباتا أو حجرا فلا مانع منه . قوله : ( أو قلت الشعر من قبل نفسي ) أي من جهة نفسي فخرج به ما قاله لا عن نفسه بل حاكيا له عن غيره كما في الصحيح : " خير كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد " . ويخرج منه أيضا ما قاله لا على قصد الشعر فجاء موزونا . قوله : ( كان للنبي خاصة ) يعني وأما في حق الأمة فالتمائم وإنشاء الشعر غير حرام . قوله : ( في الرقية من العين ) أي من إصابة العين .

قوله : ( والحمة ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة وأصلها حمو أو حمى بوزن صرد ، والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة أو الياء مثل سمة من الوسم ، وهذا على تخفيف الميم . أما من شدد فالأصل عنده حممة ثم أدغم كما في الحديث " العالم مثل الحمة " وهي عين ماء حار ببلاد الشام يستشفى بها المرضى ، وأنكر الأزهري تشديد [ ص: 245 ] الميم ، والمراد بالحمة : السم من ذوات السموم . وقد تسمى إبرة العقرب والزنبور ونحوهما حمة لأن السم يخرج منها فهو من المجاز والعلاقة المجاورة قوله : ( ألا تعلمين ) بضم أوله وتشديد اللام المكسورة هذه ، يعني حفصة رقية النملة بفتح النون وكسر الميم : وهي قروح تخرج من الجنب أو الجنبين ، ورقية النملة كلام كانت نساء العرب تستعمله يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع . ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال للعروس تحتفل وتختضب وتكتحل وكل شيء يفتعل غير أن لا تعصي الرجل ، فأراد صلى الله عليه وسلم بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريض لأنه ألقى إليها سرا فأفشته على ما شهد به التنزيل في قوله تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه } الآية قوله : ( كما علمتها الكتابة ) فيه دليل على جواز تعليم النساء الكتابة .

وأما حديث { لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف وعلموهن سورة النور } فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمها الفساد . قوله : ( لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شيء من الشرك المحرم ) فيه دليل على جواز الرقى والتطبب بما لا ضرر فيه ولا منع من جهة الشرع وإن كان بغير أسماء الله وكلامه ، لكن إذا كان مفهوما لأن ما لا يفهم لا يؤمن أن يكون فيه شيء من الشرك .

قوله : ( من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ) قد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها ، لكن دل حديث عوف أنه يمنع ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك وما لا يعقل معناه لا يؤمن من أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطا . وقال قوم : لا تجوز الرقية إلا من العين والحمة كما في حديث عمران بن حصين { لا رقية إلا من عين أو حمة } . وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل محتاج إلى الرقية فيلحق بالعين جواز رقية من به مس أو نحوه لاشتراك ذلك في كون كل واحد ينشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني ، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية . وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران وزاد " أو دم " وكذلك حديث أنس المذكور في الباب زاد فيه " النملة " .

وقال قوم : المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء ، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه ، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما وفيه نظر ، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى كما في حديث ابن مسعود المذكور في الباب . قوله : ( نفث ) النفث : نفخ لطيف بلا ريق ، وفيه استحباب النفث في الرقية . قال النووي : وقد أجمعوا على جوازه ، واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . قال القاضي : وأنكر جماعة النفث في الرقى وأجازوا فيها النفخ بلا ريق ، قال : وهذا هو المذهب .

وقد اختلف في النفث والتفل ، فقيل : هما بمعنى ولا يكون إلا بريق . وقال أبو عبيد : يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث ، وقيل عكسه . قال : { وسئلت [ ص: 246 ] عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية فقالت : كما ينفث آكل الزبيب } لا ريق معه ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ذلك .

وقد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب فجعل يجمع بزاقه ويتفل قوله : ( بالمعوذات ) قال ابن التين : الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله ، فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني ، وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن فأتى بأمور مشبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بمردتهم ، ويقال : إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم ، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت ، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من شوب الشرك وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة . وقال القرطبي : الرقى ثلاثة أقسام : أحدها : ما كان يرقى به في الجاهلية ما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يودي إلى الشرك .

الثاني : ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز ، فإن كان مأثورا فيستحب . الثالث : ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش ، قال : فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله . قال الربيع : سألت الشافعي عن الرقية فقال : لا بأس أن ترقي بكتاب الله وبما تعرف من ذكر الله ، قلت : أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ قال : نعم ، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله .

قوله : ( وأمسحه بيد نفسه ) في رواية " وأمسح بيده نفسه " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث