الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .

الأمثال : جمع مثل ، وهو مأخوذ من المثل ، وأصل المثل الانتصاب ، والممثل بوزن اسم المفعول المصور على مثال غيره .

قال الراغب الأصفهاني ، يقال : مثل الشيء إذا انتصب وتصور ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار " ، والتمثال : الشيء المصور ، وتمثل كذا تصور قال تعالى : فتمثل لها بشرا سويا [ 19 \ 17 ] .

[ ص: 65 ] والمثل : عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره ، نحو قولهم : الصيف ضيعت اللبن ، فإن هذا القول يشبه قولك : أهملت وقت الإمكان أمرك ، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال فقال : وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [ 59 \ 21 ] .

وفي آية أخرى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [ 29 \ 43 ] .

والمثال يقال على وجهين :

أحدهما : بمعنى المثل نحو مشبه ومشبه به ، قال بعضهم : وقد يعبر بهما عن وصف الشيء ، نحو قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون .

والثاني : عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان ، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة .

وذلك أن الند يقال فيما يشارك في الجوهر فقط .

والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط .

والمساوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط .

والشكل يقال فيما يشارك في القدر والمساحة فقط ، والمثل عام في جميع ذلك .

ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال : ليس كمثله شيء [ 42 \ 11 ] . . . إلخ . ا هـ .

فقوله في تعريف المثل إنه عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر ، بينهما مشابهة ؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره .

فإنهم اتفقوا على أن القول لا يتغير بل يحكى على ما قيل أولا كقولهم : الصيف ضيعت اللبن بكسر التاء خطابا للمؤنثة .

فلو قيل لرجل أهمل وقت الإمكان ثم راح يطلبه بعد فواته ، لقلت له : الصيف ضيعت اللبن بكسر التاء على الحكاية .

[ ص: 66 ] وهذا مما يسمى الاستعارة التمثيلية من أبلغ الأساليب ، وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي ، وهو تشبيه صورة بصورة ، وهو من أوضح أساليب البيان .

وقد ساق الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - عددا منها في الجزء الرابع عند قوله تعالى : ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا [ 18 \ 54 ] ، ومن أهم أغراض هذا النوع من التشبيه هو بيان صورة بصورة وجعل الخفي جليا ، والمعنوي محسوسا كقوله تعالى : له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه [ 13 \ 14 ] .

فلو نظرت إلى مثل هذا الشخص على هذه الحالة ، وفي تلك الصورة بكل أجزائها ، وهو باسط يده مفرجة الأصابع إلى ماء بعيد عنه ، وهو فاغر فاه ؛ ليشرب ، لقلت : وأي جدوى تعود عليه ، ومتى يذوق الماء وهو على تلك الحالة ، إنه يموت عطشا ولا يذوق منه قطرة .

وكذلك حال من يدعو غير الله مع ما يدعوهم من دونه لا يحصل على طائل كقوله تعالى : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون [ 29 \ 41 ] فأي غناء لإنسان في بيت العنكبوت .

وكذلك أي غناء في ولاية غير الله فكذلك الحال هنا ، أريد بالأمثال صور يصور لانتزاع الحكم من السامع بعد أن تصبح الصورة محسوسة ملموسة ، وانظر قوله تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ 2 \ 187 ] وكيف غطى وأخفى في هذا الأسلوب ما يستحى منه وأبرزه بلباسه في التشبيه بما يتقى به ، ومدى مطابقة معنى اللباس لحاجة كل من الزوجين للآخر ، وتلك في قوله تعالى : وتلك الأمثال [ 59 \ 21 ] عائدة إلى الأمثلة المتقدمة قريبا في عمل المنافقين مع اليهود ونتائج أعمالهم ، وهكذا كل موالاة بين غير المسلمين وكل معاداة وانصراف عما جاء به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .

وكذلك في بيان مدى فعالية القرآن وتأثيره ، لو أنزل على الجبال ؛ لخشعت ، وتصدعت مما يستوجب التفكير فيه والاتعاظ به ، ثم مثال الفريقين في قوله تعالى : [ ص: 67 ] ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [ 59 \ 19 ] ، ونتيجة ذلك في الآخرة من عدم استواء الفريقين ، فأصحاب نار وأصحاب جنة .

ولكأن الأمثال هنا والتنبيه عليها إشارة إلى أن أولئك بنسيانهم لله وإنسائه إياهم أنفسهم ، صاروا بهذا النسيان أشد قساوة من الجبال ، بل إن الجبال أسرع تأثرا بالقرآن منهم لو كانوا يتفكرون .

وقد قال أبو السعود : إنه أراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم تخشعه عند تلاوته وقلة تدبره فيه . ا هـ .

وهكذا بهذه الأمثلة ينتزع الحكم من السامع على أولئك المعرضين الغافلين بأن قلوبهم قاسية كالجبال أو أشد قسوة كما قدمنا ، بخلاف المؤمنين تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق كما قال تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء [ 39 \ 23 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث