الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .

جاءت في هذه الآيات الثلاث : ذكر كلمة التوحيد مرتين ، كما ذكر فيها أيضا تسبيح الله مرتين ، وذكر معهما العديد من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، فكانت بذلك مشتملة على ثلاث قضايا أهم قضايا الأديان كلها مع جميع الأمم ورسلهم ؛ لأن دعوة الرسل كلها في توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وتنزيهه ، والرد على مفتريات الأمم على الله تعالى .

فاليهود قالوا : عزير ابن الله [ 9 ] .

والنصارى قالوا : المسيح ابن الله [ 9 ] .

والمشركون قالوا : اتخذ الرحمن ولدا [ 21 \ 26 ] ، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [ 43 \ 19 ] ، وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ ص: 68 ] [ 38 \ 5 ] .

فكلهم ادعى الشريك مع الله ، وقالوا : ثالث ثلاثة [ 5 \ 73 ] وغير ذلك .

وكذلك في قضية التنزيه ، فاليهود قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء [ 3 \ 181 ] ، وقالوا : يد الله مغلولة غلت أيديهم [ 5 \ 64 ] .

والمشركون قالوا : وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ، ونسبوا لله ما لا يرضاه أحدهم لنفسه ، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ، في الوقت الذي وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم [ 16 \ 58 ] .

وهذا كما تراه أعظم افتراء على الله تعالى ، وقد سجله عليهم القرآن في قوله تعالى : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [ 18 \ 4 ] وكما قال تعالى : ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون [ 37 \ 151 - 152 ] ، وقال مبينا جرم مقالتهم : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا [ 19 \ 88 - 92 ] .

فكانت تلك الآيات الثلاث علاجا في الجملة لتلك القضايا الثلاث ، توحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وتنزيه الله سبحانه وتعالى مع إقامة الأدلة عليها .

وقد اجتمعت معا لأنه لا يتم أحدها إلا بالآخرين ، ليتم الكمال لله تعالى .

قال أبو السعود : إن الكمالات كلها مع كثرتها وتشعبها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم . ا هـ .

وهذا كله متوفر في هذا السياق ، وقد بدأ بكلمة التوحيد ؛ لأنها الأصل ، لأن من آمن بالله وحده آمن بكل ما جاء عن الله ، و آمن بالله على ما هو له أهل ، ونزهه عما ليس له بأهل قال تعالى : هو الله الذي لا إله إلا هو ثم أعقبه بالدليل على إفراده تعالى بالألوهية بما لا يشاركه غيره فيه بقوله تعالى : عالم الغيب والشهادة .

وهذا الدليل نص عليه على أنه دليل لوحدانية الله تعالى في مواضع أخرى منها قوله [ ص: 69 ] تعالى : إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما [ 20 \ 98 ] ووسع كل شيء هنا تساوي عالم الغيب والشهادة ، ومنها قوله تعالى : ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم [ 27 \ 25 ] ، وقوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى قوله : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [ 2 \ 255 ] .

وهذا قطعا لا يشاركه فيه غيره ، كما قال تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو [ 6 \ 59 ] فكان من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو ، وجاء بدليل ثان ، وهو قوله تعالى : هو الرحمن الرحيم [ 59 \ 22 ] وقد نص عليه صراحة أيضا كدليل على الوحدانية في قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [ 2 \ 163 ] فهو رحمان الدنيا ورحيم الآخرة .

ومن رحمته التي اختص بها في الدنيا قوله : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته [ 42 \ 28 ] ، وقوله : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها [ 30 \ 50 ] أي : بإنزاله الغيث وإنبات النبات مما لا يقدر عليه إلا هو فكان حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو .

وقد جمع الدليلين العلم والرحمة معا في قوله تعالى : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما [ 40 \ 7 ] .

ثم جاءت كلمة التوحيد مرة أخرى : هو الله الذي لا إله إلا هو ، وجاء بعدها من الصفات الجامعة قوله : الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، وهذا الدليل على وحدانيته تعالى نص عليه في موضع آخر صريحا في قوله تعالى : قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت [ 7 \ 158 ] فالذي له ملك السماوات والأرض هو الملك الحق الكامل الملك ، وهو الذي يملك التصرف في ملكه كما يشاء بالإحياء والإماتة وحده ، كما قال تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة [ 67 \ 1 - 2 ] وهو القدوس السلام المؤمن المهيمن على ملكه كما في قوله أيضا : الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ 2 \ 255 ] فالقيوم هو المهيمن والقائم بكل [ ص: 70 ] نفس ، العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ، ثم جاء بالدليل الأعظم في قوله تعالى : هو الله الخالق البارئ المصور فهو وحده المتفرد بالخلق والإيجاد ، والإبداع والتصوير ، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من موضع كما في قوله تعالى : بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم [ 6 \ 101 ] ثم قال : ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل [ 6 \ 102 ] .

وذكر أيضا الخلق مفصلا والملك مجملا في قوله تعالى : خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث [ 39 \ 6 ] ثم قال : ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون [ 39 \ 6 ] ، وقال : ذلكم الله ربكم خالق كل شيء [ 40 \ 62 ] ، ثم قال : لا إله إلا هو فأنى تؤفكون [ 35 \ 3 ] وجمع الملك والخلق معا في قوله : الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا [ 25 \ 2 ] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث