الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم

( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم )

قوله تعالى :( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) .

اعلم أنه تعالى لما قال :( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) واقتضى ذلك كون الإيمان مستلزما للطاعة ، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل ، وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال :( إنما المؤمنون ) الآية ، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة :

الأول : قوله :( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) قال الواحدي يقال : وجل يوجل وجلا ، فهو وجل ، وأوجل إذا خاف . قال الشاعر :


لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول



والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمنا إذا كان خائفا من الله ، ونظيره قوله تعالى :( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) [الزمر : 23] وقوله :( الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) [المؤمنون : 57] وقوله :( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) [المؤمنون : 2] .

وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب ، وخوف العظمة والجلال . أما خوف العقاب فهو للعصاة ، وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين ، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا ، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه ، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه ، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنيا عنه ، وكونه محتاجا إليه يوجب تلك المهابة وذلك الخوف .

[ ص: 96 ] إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من الوجل القسم الأول ، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله ، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله ، وهذا هو اللائق بهذا الموضع؛ لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار .

فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا :( وجلت قلوبهم ) وقال في آية أخرى :( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) [الرعد : 28] فكيف الجمع بينهما ؟ وأيضا قال في آية أخرى :( ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) [الزمر : 23] قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة ، ولا منافاة بين هاتين الحالتين ، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى :( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) [الزمر : 23] والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث