الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وهل يفتقر إلى غسله بالماء بعد الدباغ فيه وجهان أحدهما : لا يفتقر ، لأن طهارته تتعلق بالاستحالة وقد حصل ذلك فطهر كالخمر إذا استحالت خلا وقال أبو إسحاق : لا يطهر حتى يغسل بالماء لأن ما يدبغ به تنجس بملاقاة [ ص: 280 ] الجلد ، فإذا زالت نجاسة الجلد بقيت نجاسة ما يدبغ به فوجب أن يغسل حتى يطهر ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) هذان الوجهان مشهوران وذكر صاحب المستظهري أن الأول منهما قول أبي العباس بن القاص ، ورأيت أنا كلامه في التلخيص وفيه إشارة إلى ما ذكره ، واختلف المصنفون في أصحهما فالأكثرون على أن الأصح وجوب الغسل ، ممن صححه الفوراني وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والوجيز ، وابن الصباغ والمتولي والروياني والرافعي وآخرون ، وقطع به الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي في كتابيه التهذيب والانتخاب . وقال البغوي : الأصح لا يفتقر ، وهو مذهب أبي حنيفة والأكثرين وتوجيه الوجهين مذكور في الكتاب ويدل لعدم الغسل قوله صلى الله عليه وسلم { إذا دبغ الإهاب فقد طهر } ويجاب عنه بأن المراد طهرت عينه التي كانت نجسة ، وليس فيه أنه لا يغسل وهذا في وجوب غسله بعد الدباغ . وأما استعمال الماء في أثناء الدباغ ففي وجوبه وجهان مشهوران عند الخراسانيين وذكرهما الماوردي من العراقيين أصحهما لا يفتقر إليه ، قال إمام الحرمين : هذا قول المحققين ، قالوا ومأخذ الوجهين أن المغلب في الدباغ الإزالة أم الإحالة وفيه وجهان . فإن غلبنا الإزالة افتقر إليه وإلا فلا . ويستدل للأصح بالقياس على الخمر إذا استحالت فإنها تطهر بمجرد الاستحالة ، وللوجه الآخر بقوله صلى الله عليه وسلم { يطهرها الماء والقرظ } ولأنه يلين الجلد ويصل به الشث والقرظ ونحوهما إلى جميع أجزائه . وإذا أوجبنا غسله بعد الدباغ فهو طاهر العين بلا خلاف والدباغ حاصل قطعا لكنه نجس بالمجاورة على هذا الوجه ، فهو كالثوب النجس فيجوز بيعه إذا جوزنا بيع جلد الميتة المدبوغ ، صرح به إمام الحرمين وغيره ، وأما إذا أوجبنا استعمال الماء في أثناء الدباغ فلم يستعمله فالجلد نجس العين بلا خلاف .

                                      صرح به إمام الحرمين وآخرون . وهل يطهر بعد ذلك بنقعه في ماء كثير أم يشترط رده إلى المدبغة واستعمال الشث ؟ حكى الرافعي فيه وجهين ، وحكى إمام الحرمين عن شيخه والده أبي محمد أنه قال : لا بد من ابتداء دبغه ثانيا ، قال الإمام : ولا يبعد عندي أنه يكتفى بنقعه في الماء الطهور ، ووجهه الإمام [ ص: 281 ] أحسن توجه ، وأنا أظن الرافعي أراد بالوجهين قول الإمام ووالده ثم إذا أوجبنا استعمال الماء بعد الدباغ اشترط كونه طهورا نقيا من أدوية الدباغ وغيرها بلا خلاف لأنه إزالة نجاسة ، وأما إذا اشترطناه في أثناء الدباغ فلا بأس بكونه متغيرا بأدوية الدباغ والله أعلم



                                      ( فرع ) الأجزاء التي يتشربها الجلد من الأدوية المدبوغ بها طاهرة بلا خلاف وأما الأجزاء المتناثرة من الأدوية فإن تناثرت في أثناء الدباغ فهي نجسة بلا خلاف ، صرح به البغوي ، وإن تناثرت بعده فهل نحكم بطهارته تبعا للجلد أم بنجاستها ؟ فيه وجهان مشهوران قالوا : وهما الوجهان في افتقار الجلد إلى غسله بعد الدباغ إن قلنا يفتقر فهي نجسة وإلا فهي طاهرة تبعا له ، كذا قاله القاضي حسين والمتولي والروياني وغيرهما والله أعلم .




                                      الخدمات العلمية